المحترف في الصحافة

تصور قسوة وقتامة الأحداث التي تعيشها شخصياتها

دبي الثقافية، عدد 101

أكتوبر 2013

رنا زيد

DubaiOct2013

                                                                        

نجوى بركات تشيـّد عمارة الرواية العربية

(CNN) – سي ان ان العربية

15 نيسان (إبريل) 2010

تقرير: بارعة أحمر

بيروت، لبنان (CNN) — أكّد مشروع الكاتبة نجوى بركات “كيف تكتب رواية” مصداقيته وأهميته  مع تقدّم عمل المحترف الذي انطلق قبل عام لينتج بخواتمه عددا من الروايات .

الروايات هي التجربة الأولى لشبّان تتراوح أعمارهم ما بين 25 و35 عاما، وهم رنا نجار ورشا الأطرش وهلال شومان.

أما السورية رشا عبّاس التي تابعت أعمال المحترف خلال ثلاثٍ من مراحله الأربعة، فقد انسحبت في المرحلة الأخيرة لأسباب لم تفصح عنها.

ومن مكان إقامتها في العاصمة الفرنسية باريس، أكدت الأديبة بركات ل سي ان ان ” أن حلمها قد تحقق “بإنجاز المحترف بشكل مكتمل كما تحقق حلم الكتاّب المشاركين بإنجاز رواياتهم الأولى، بفضل اجتماع العناصر الضرورية لإتمامه.”

وتوضح بركات ان هذه العناصر هي “جهة ثقافية رسمية مموّلة أي وزارة الثقافة اللبنانية التي تعي مهمتها كطرف فاعل في إنهاض الثقافة وتنميتها، ودار نشر وهي “دار الساقي” التي تؤدي دورها في تحفيز المواهب الشابة واكتشافها “.

وعن تقنيات المحترف تشرح نجوى بركات ” الرواية فنّ معقد لا يستقيم ما لم يكن في قلب عملية واعية قادرة على مزاوجة كل ما ينهض عليه السردُ من عناصر وهي كثيرة، أضف إلى ذلك  أنها سيرٌ حثيث في منطقة فاصل بين تخوم الوعي واللاوعي.”

وتضيف “هدفي في الدرجة الأولى هو نفض الغبار عن المخيلة وكسر السائد ونزع كل ما يشلّ القدرة على التعبير، من خلال استبعاد الخيارات السهلة والمواضيع المجترّة والصور النمطية المستهلكة.”

وتؤكّد “الكتابة فعل حرية بالدرجة الأولى. إنها حقّ وثمرة جهد ومعرفة لا يحق لأيّ كان إجهاضهما. إنما أحياناً، يكون الرقيب الداخليّ أشدّ عنفا وخطرا وأذىً من أيّ رقيب خارجي.”

ثم تتابع “الحرية هي أيضا التحرّر من الانغلاق والأفكار الجاهزة والأدلجة والشعارات. فالكتابة هي قبل كل شيء رحلة البحث عن المعنى، وهي والولوج إلى كنه الحياة واستكشاف طبقاتها الدفينة الملوّنة بآلاف الأحداث والشخصيات والأمكنة.”

وعن إمكانية نقل مهارات الكتابة إلى آخرين وتعليم هذه الحرفة الموهبة، تقول ” أنا لا أعطي محاضرات نظرية ولا أتناول نصّا منجزا، بل أعمل مباشرة على مادة حيّة هي مشروع روائي غالبا ما يكون نابعا من ثقافة المشارك، حساسيته ومعيشه الخاص.”

لكن، بما أننا نحن العرب نحيط اللغة والنصّ بهالة من القدسية، فإننا نقصر الإبداعَ على دوائر الوحي والإلهام العليا، نافين عنه كل بُعدٍ دنيويّ، أي ذاك المرتبط بالكدّ والجهد والتجريب والتثقيف.”

روايتها الأخيرة “لغة السر” الصادرة عن “دار الآداب” في بيروت هي تعبير جريء عن هذه الفكرة حيث حاولت من خلال حبكة روائية محكمة وأسلوب شيّق في السرد، اختراق قدسية اللغة ونزع هالتها السحرية لإتاحة المجال أمام التعبيرَ الحرّ الحقيقيّ.

وعن تقييمها لتجربة المحترف الذي أقيم طوال شهور، تقول “نظرا لما حققه من نتائج ولردود فعل المشاركين فيه، ازداد إيماني بفائدته وضرورته. اليوم، أحلم بنقل هذه التجربة إلى بلد عربيّ آخر، بل أن حلمي هو تأسيس فضاء يمكنّني من استقبال كتّاب شباب من مختلف البلدان العربية، والعمل معهم ضمن الورشة الواحدة على مشاريع روائية ومسرحية وسينمائية.”

نذكر أن رواية “باص الأوادم” التي صدرت عام 1996 وحازت “جائزة أفضل إبداع” عام 1997، ورواية “يا سلام” التي تلتها، حققتا نجاحا كبيرا ووضعتا نجوى بركات في الصفوف المتقدّمة بين الروائيين العرب.

إلى جانب كل هذا، تعمل الأديبة على تعريب “مفكرة” الفيلسوف الفرنسي البير كامو بأجزائها الثلاثة التي ستصدر قريبا عن مشروع “كلمة” ودار الآداب في بيروت.

وتم مساء الأربعاء الإعلان عن نتائج المسابقة بفوز رنا الأطرش عن رواية “صابون”.

وتكون هذه المبادرة، وهي الأولى من نوعها في العالم العربيّ، قد ساعدت على بلورة طاقات روائية شابة تضيف الى الأعمال الأدبية العربية نفَساً متجددا يُغني مكتباتنا.

                                                                        

السفير: مقاطع من روايات المحترف

جريدة السفير – الأربعاء 14 نيسان 2010

                                                                        

خيبات شبابيّة في المدينة الصاخبة

جريدة الأخبار- الثلاثاء 1 حزيران 2010

حسين بن حمزة

من حسنات رواية «صابون» (دار الساقي) أنها شديدة الراهنية والمعاصرة. إنّها سمة واضحة وملموسة في باكورة رشا الأطرش الفائزة بجائزة محترف «كيف تكتب رواية» الذي أدارته الروائية نجوى بركات ضمن احتفالية «بيروت عاصمة عالمية للكتاب». لكن من أين تأتي المعاصرة؟ الجواب ببساطة أن الرواية تحدث في الحياة التي نعيشها. وقائعها تجري في الأماكن التي نرتادها. أبطالها هم أشخاص يمكننا أن نكون مثلهم أو نعرفهم على الأقل. البطلة غادة تعمل في محلّ لمستحضرات التجميل. تسكن شقة صغيرة ومستأجرة في بيروت، وتطلّ في العطل ونهايات الأسبوع على أهلها في القرية. تعيش علاقة مع سامر المتزوج الذي يحبها لكنّه غير قادر على هدم زواجه المتوّج بابنة صغيرة. صديقتها ندى ترتّب سهرة تجمعهما مع مالك وجاد وآخرين. يتقرّب مالك منها في السهرة، لكنها تعقد آمالاً على جاد الذي يعمل مخرجاً في محطة تلفزيونية. في اليوم التالي، يكون سامر عندها حين تتلقى اتصالاً من جاد يخبرها فيه أن تمرّ على مكتبه غداً بعد انتهاء عملها. ارتباكها يفضحها فتضطر إلى إخبار سامر الذي يضغط عليها لتصارحه. تثور في وجهه وتذكّره بأنها «الثانية» في علاقة ليس لها مستقبل. تخبره بأن العلاقة تتعبها وتؤلمها. لا شيء بينها وبين جاد، لكنّ العيش في عتمة علاقتهما تنهكها وتدفعها إلى البحث عن بقعة ضوء. يغضب سامر ويُوجّه إليها كلاماً قاسياً ومهيناً. «بكرهك»، تصرخ به وهو يصفق باب شقتها وراءه. يأخذها جاد إلى كوخ سيحتضن الكليب الجديد الذي يعمل عليه. يمارسان الجنس هناك. بعدها تتطور الرواية دراماتيكياً. تكتشف أن جاد يلهو بها، وأن صديقتها ندى تعيش علاقة مع مالك. تلتقي سامر صدفة. تَعِده -على مضض- بلقاءٍ قريب. تعود إلى القرية لحضور عرس أختها الأصغر. تنتظر -بلا جدوى- رؤية رقم جاد على هاتفها الجوّال.

هذه هي الخطوط الأساسية لحكاية غادة. حسناً، كم هو عدد «الغادوات» الخائبات اللواتي عرفهنّ القارئ أو سمع عنهن؟ جزءٌ من جاذبية رواية «صابون» يعود إلى كونها تؤرّخ لحظةً مجتمعية تزخر بهذا النوع من العلاقات العاطفية والجنسية غير المكتملة، حيث الخيارات المتاحة متضاربة مع الطموحات العادية. كأن الرواية تحتفي بخيبة شريحة شبابية كاملة في مدينة صاخبة تتسع لكل شيء. ننتبه إلى براعة المؤلفة في إدارة دفة روايتها الخفيفة مثل خفة وقائعها. الخفة تحقّق تدفق الأحداث بسلاسة. اللغة جذابة وغير مدّعية. في المقابل، علينا ألا ننسى أن للخفة سيئاتها أيضاً. ربما هي مقبولة في رواية أولى، لكنها لا تتمتع بصلاحية دائمة. لعلّ رشا الأطرش نفسها تدرك أن روايتها المقبلة ستكون في مكانٍ آخر.

                                                                        

كل الأسرة: رواية جديدة ولدت.. وثلاثة روائيين قيد الطبع!

                                                                        

محترف “كيف تكتب رواية” يلد “صابون”

موقع ناو ليبانون – شادي علاء الدين

محترف “كيف تكتب رواية” هو تجربة فريدة ومميزة رعتها وزارة الثقافة في إطار احتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب. تجربة المحترف جاءت لتؤكد أن الكتابة – الروائية منها خاصة – هي حرفة لها قواعدها وأصولها؛ يمكن لتعلمها ودراستها أن يفضيا  إلى عملية إنتاج عمل روائي قابل للحياة.

نجوى بركات التي كانت وراء إطلاق مشروع المحترف هي روائية لبنانية (لها في المكتبات خمس روايات: “المحول”، “باص الأوادم”، “لغة السر”، “آلام حمد بن سيلانة”، و”يا سلام”). وقد حازت العام 1997 جائزة أفضل إبداع أدبي من المنتدى الثقافي اللبناني، كما حصلت العام 2003 على منحة كتابية من مؤسسة “شلوب وايبر سدورف” الألمانية.

في عودة  إلى المحترف، تابعت بركات مجموعة من الكتّاب العرب الشباب الذين قرروا خوض غمار هذه التجربة الكتابية الشيقة والشاقة. علمتهم تقنيات وأصول الكتابة… حتى إذا ما تملّكوا من قواعدها، استطاعوا التعبير عن فكرتهم والعبور  إلى كتابة عمل أدبي يمكنه أن يدرج تحت مسمى “الرواية”.

تلقفت دار الساقي هذه التجربة وتعاونت مع وزارة الثقافة على إطلاقها، كما وعدت بنشر “الرواية” التي ستنتج عن ورشة العمل هذه (وقد تنافست مجموعة من المشتركين على نيل حظوة نشر روايتهم، وهي خطوة أولى مهمة في رحلة حياتهم الأدبية).

نجحت الورشة في “استيلاد” مجموعة من النصوص الجادة. الفوز كان من نصيب كاتبة شابة هي الصحافية رشا الأطرش التي تعمل في القسم السياسي في جريدة “السفير” اللبنانية، حيث نشرت العديد من المقالات التي تمتاز بأن فيها نزعة تحليلية تميل  إلى الغوص في بواطن الأمور.

فازت إذاً الأطرش بالجائزة بعد تنافسها مع مجموعة من المشتركين الذين نجحوا بدورهم في الوصول  إلى المرحلة النهائية والتي انحصرت، إضافة  إلى الأطرش، في مشتركَين هما هلال شومان ورنا نجار.

معيار الفوز لا يتعلق بكون النصوص الأخرى هي غير جيدة (…)، ولكن فقط لأن الأطرش نجحت في إتمام روايتها في فترة الورشة. (ملاحظة: ستعمد دار الساقي لاحقاً  إلى نشر رواية نجار ورواية شومان خلال مدة وجيزة).

غلاف الرواية الفائزة

وهكذا، نشرت دار الساقي الرواية الفائزة والتي حملت عنوان “صابون”. أطلقتها في حفل أقيم في سينما متروبوليس، الأشرفية بحضور الروائية نجوى بركات، وممثلين عن وزارة الثقافة وعن دار الساقي.

كلمات الحفل عديدة، ركز معظمها على جمالية هذه التجربة المميزة التي تسعى  إلى تأسيس وعي أدبي، لا يعود معه أي نتاج أدبي خاضعاً فقط للأهواء والمزاج، ومبنياً حصراً على الوحي والإلهام.

الروائية اللبنانية نجوى بركات

الروائية نجوى بركات تحدثت عن هذا المشروع، فأوضحت معالمه وأهدافه وفصلت نتائجه. تقول : ” لا أريد أن أمدح المشروع كونه مشروعي الخاص، ولكنني مهتمة للغاية بمساعدة الكتّاب الشباب على إنضاج مشاريعهم الروائية الأولى. لقد تعرفت خلال العمل في محترف الرواية على مجموعة من المواهب الشابة، وأعتقد أنه سيكون لها شأن في العالم الأدبي مستقبلاً، وفي الحقيقة فإن الحصيلة الإيجابية للورشة كانت تفوق توقعاتي”.

تقول بركات “عملت على تقاسم لغتي مع آخرين، لأني أرى في الكتابة شيئاً من الحرفة، وإن لم تكن ذلك فقط، وشيئاً من الأصول، وإن كانت تعصى عليها، وشيئاً من الكيمياء، وإن كانت في الأصل خيمياء أقرب  إلى السحر منها  إلى المعادلات والأوزان والحسابات”.

رشا الأطرش الروائية الفائزة تحدثت عن تجربتها في محترف الرواية فقالت “حرصت نجوى بركات على أن تكون دليلاً ومرشداً وموجهاً فقط لا أستاذاً. طلبت منا أن نجتهد في محاولة كتابة روايتنا، وليس الرواية التي يجب أن نكتبها. كانت حريصة أن تكون الشخصيات التي نكتب من خلالها مرئيةً وواضحةً بكل تفاصيلها ومحيطها، وأن نكون قادرين على تلمس شبكة المؤثرات التي ترسم سلوكياتها وتحدد مصائرها، سواء أكانت هذه المؤثرات عاطفية او اجتماعية أوسياسية”. (تابعت): “السؤال الذي كانت تلقي به دوماً على مسامعنا كان هل ترون شخصياتكم”؟

لقد أجبرنا وضوح هذا المنطق على إعادة كتابة الفصول مراراً وتكراراً. كانت ملامح الشخصيات تتوضح أكثر فأكثر مع كل إعادة كتابة. حين صارت الشخصيات مرئية تماماً صارت الكتابة عملية سهلة وسلسة”.

تعالج الأطرش في روايتها علاقتنا بالصورة.

الصابون الذي اتخذته عنواناً لروايتها هو مدخل عالم الإخفاء الذي نمارسه على أنفسنا وعلى جسدنا، وهو يتحالف مع عالم الماكياج والعطور في عملية إلغاء حضورنا الحقيقي وتحويلنا إلى خدم للصورة.

الصابون وسيلة تنظيف، ولكنه في الآن نفسه زلِق وينتج فقاعات عابرة لا تدوم.

تستخدم الأطرش التفاصيل الخاصة بالصابون وتحولها إلى لعبة رمزية شفافة تعنى بالحديث عن عملية التغريب المستمرة التي نمارسها يومياً على أنفسنا لصالح عبادة الصورة من دون أن ننتبه أن الصورة لا تقبل بأقل من غيابنا لكي تكون.

غادة بطلة الرواية “تذكر أنها حضرت ذات مرة في مختبر الكيمياء في المدرسة سائلا برائحة الموز. أعجبتها كثيراً فكرة خلط سوائل لا علاقة لها بالفاكهة. مجرد سوائل بلا لون ذات أسماء مركبة من حروف أجنبية كبيرة تذيلها أرقام صغيرة، والتركيبة تعمل وحدها”.

ضربات خفيفة من أصبعها على الأنبوب الشفاف، فوق لسان اللهب الأزرق، وتنفجر أبخرة الموز، كأن عشرة أقراط تدلت فجأة من سقف المختبر”.

غادة تقيم علاقة مع شخص متزوج. موقعها كامرأة ثانية في حياة رجل يجعلها دائماً في الظل وكأنها غير مرئية. اسمها لا يظهر على لائحة الأسماء المحفوظة أرقامها في ذاكرة هاتفه.

سامر الحبيب المتزوج “كلما أراد الاتصال بها، ضرب الخانات الثماني التي يحفظها غيباً. وكلما تلقى رسالة نصية منها محاها بعد قراءتها مباشرة. غادة أشبه بشخص مخترع، برفيق اللعب الخيالي الذي يبتدعه الأطفال ليسلوا وحدتهم”.

وضعها كمخلوق خيالي، يدفعها  إلى إقامة علاقة مع كائن مصنوع بالكامل من مادة الوهم، هو جاد مخرج الفيديو كليبات الذي يظهر لامعاً وبراقاً على الدوام، حتى إنها تتساءل “ماذا يفعل هذا المخلوق ليكون جميلاً في كل الأوقات؟

يضمر هذا السؤال بعداً أساسياً من أبعاد الرواية، فالشخص اللامع على الدوام لا يمكن أن يكون حقيقياً. فالصور هي دائمة اللمعان وليس الأشخاص. إذاً “جاد” مخرج الفيديو كليبات هو كائن مخترع. هو صورة وليست هي بالنسبة له سوى فقاعة عابرة وسريعة الزوال.

نعثر على غادة في نهاية الرواية في وضعية يكون الصابون فيها “قد بدأ يقشط نفسه تحت قدميها. كانت قد كفت عن الانتظار”.

عادت غادة  إلى الواقع وصارت قادرة على الوقوف على أرض صلبة لأرض الصابون الزلقة.

كفت عن الانتظار. لذا صارت قادرة على امتلاك زمنها الذي لم يعد مرهوناً للوهم وفقاقيعه المبهرجة والعابرة.

تمارس الأطرش عملية مغايرة لمألوف الكتابة الروائية السائدة اليوم والتي يجتهد أصحابها في إخفاء مصادرهم الثقافية، ومحو معالم الأمكنة التي تجري فيها حوادث الرواية… فهي وعلى العكس من ذلك ترمي بمصادرها في وجوهنا مباشرة. الاستنتاج الذي يقود  إلى رواية العطر لـ “زوسكند” ليس خارج الرواية. الأطرش تتحدث مباشرة عن الرواية وتسميها. نعثر كذلك على دلوز وفرنسيس بيكون صراحة.

في الإطار عينه، الأمكنة في الرواية ليست مزيفة ومحجبة بالكنايات، بل هي واضحة ومعروفة ومعرّفة: نحن لسنا إزاء أمكنة افتراضية، بل نحن في “Lina’s”، و”الفرساي”، وشارع الحمراء، والفيرومودا، وباترمنت وزارا، وستار باكس، وفرنكو جيلاتو، وعصيرالألدورادو. هذه الأماكن لا تحضر من خلال تاريخها المرسوم في الذاكرة، بل تحضر في زمن المشاهدة نفسه.

تحتج الرواية بهذه الطريقة على التغييب الذي تمارسه سلطات الماكياج… فالرواية تصرّعلى حضور المصادر والأسماء. تمارس دفاعاً شفافاً عن الحواس، كل الحواس. وعن العين بشكل خاص التي يحاول هول الميديا أن يجعلها لا ترى.

                                                                        

“السفير” على صفحتها الأولى: رشا الأطرش تحوز الجائزة الأولى

السفير- 15 نيسان 2010 – العدد11566 – الصفحة الأولى

                                                                         

ثلاث روايات «شابة» تتنافس على النشر

الحياة – الاربعاء, 14 أبريل 2010

بيروت – مالك القعقور

لا تستطيع الروائية اللبنانية نجوى بركات أن تخفي سعادتها بما حققه محترفها «كيف تكتب رواية؟» في باكورة نتائجه وهي أربع روايات لثلاث شباب لبنانيين هم الصحافية في جريدة «السفير» رشا الأطرش، والزميلة في «الحياة» رنا نجار، ومهندس اتصالات والكترونيك هلال شومان الذين سيتوّجون مساء اليوم روائيين في احتفال تقيمه «بيروت عاصمة عالمية للكتاب» و«دار الساقي» في رعاية وزارة الثقافة اللبنانية، في صالة «ميتروبوليس – سينما أمبير».

وإذا كانت الدعوة الموجهة تتحدث عن إعلان الفائز في المحترف وتوقيع الرواية الفائزة، فإن من يتحدث إلى نجوى بركات مديرة المحترف يستشف أن الروايات الثلاث تعتبر فائزة، وأن «دار الساقي» ستتبنى نشرها. وتقول بركات لـ «الحياة»: «في الحفلة سيعلن اسم أفضل رواية لكن مستوى الروايات الأخرى جيد جداً وهي ليست أقل مما ينشر».

وتتحدث بركات عن تحقيقها «حلماً» بمساعدة شبان على كتابة رواية، وتقول: «لا تستطيع أن تصدّق كم أنا سعيدة… التجربة أنجزت مثلما تخيلتها من الألف إلى الياء، وتحقق عبرها أنني لم أكن مخطئة باقتراح عمل كهذا على مستويين: الأول هو امكان مساعدة أشخاص لديهم موهبة على كتابة رواية، وان هذا ليس كلاماً في الهواء، والثاني هو أن لدي إيماناً عميقاً بأننا يمكننا أن نصنع، وهناك ضرورة لإعادة التجربة وأتمنى ان أكررها». وتضيف: «هذه المرة توافرت الشروط لانجاح التجربة: جهة رسمية ممولة أي وزارة الثقافة وأتمنى أن تكرر التجربة، دار نشر وهي دار «الساقي» لديها استعداد ليس فقط لتبني كتّاب جدد بل أن تسهم في إيجادهم أيضاً، وكذلك المحترف… أتمنى أن تعاد التجربة بكل تأكيد».

من الورشة الأولى للمحترف

واللافت أن الذين تخرجوا في المحترف لا تقل سعادتهم عن سعادة بركات، وهم جاءهم هذا المشروع في «الوقت المناسب» لينفذوا مشاريع روائية راودتهم.

تصف الزميلة في مكتب «الحياة» في بيروت رنا نجار، المحترف بأنه كـ «الأم» التي تعلّم وليدها كيفية المشي ونقله من مرحلة الحبو (الدبدبة) الى الركض، خصوصاً أن نجوى بركات «كانت مشجّعة لنا وتبثّ فينا جرعات من التفاؤل قبل كل شيء. ما مكّننا من الاستمرارية والمثابرة».

لطالما تساءلت رنا كيف ستبدأ الكتابة الأدبية وهو مشروع كانت تؤجّله دائماً «لكن مع هذا المحترف استطعت على الأقل أن أبدأ وأجرّب وأتمرّن تطبيقياً على كيفية بلورة الأفكار الكبيرة واستنباط الشخصيات وتقنية السرد والتدقيق في التفاصيل والبعد عن الحشو»

وتتحدث عن عامل الثقة الذي «منحتنا إياه بركات، ما جعلنا نسلّم كل ما لدينا لها». وتقول: «الكاتب يكون عادة أنانياً ويستغّل كل ما من حوله لكتاباته. أما بركات التي بنت علاقة وثيقة معنا وصارت صديقة، كانت وفية لكل كلمة نكتبها ولكل فكرة نطرحها. ولم تنسَ أن توجّهنا من دون أن تتدخّل في المادة أو تفرض رأيها.

لكن الأهم أننا خضنا التجربة، فلا تُخاض الحروب من البيوت. المهم أن نبدأ، وها نحن صرنا على خارطة الأدب وإن كانت تجربتنا متواضعة ومبتدئة». اختارت رنا أن تدخل في روايتها الى عالم المراهقين وعذاباتهم وأحلامهم ونظرتهم للأمور من منظار آخر، وهو موضوع قلّما طرحته الرواية العربية. فتسرد في روايتها ذكريات مراهقين هما ريم وجاد اللذين قرّر أبوهما إرسالهما الى مخيّم صفيّ، لتكشف وتعرّي التناقدات الاجتماعية والطبقية والطائفية في المجتمع اللبناني، بلغة الأطفال البسيطة والحادة في الوقت نفسه.

وتشير رنا إلى أن المشكلة الوحيدة التي عانت منها هي الالتزام بالوقت. وتؤكد أن «الكتابة فعل مزاج، وتحتاج الى صفاء ذهني. وأحياناً لا يمكننا الالتزام بمهلة محدّدة، خصوصاً أنني أعمل في أكثر من مجال في الوقت نفسه. لذا لم أكمل روايتي التي وعدت دار الساقي بنشرها لاحقاً، ومازلت أعمل على الفصلين الأخيرين».

أما رشا الأطرش فراودتها فكرة كتابة رواية طوال سنتين من دون ان تقدم على ذلك، ولكن حين أعلن عن المشروع رأت فيه «حافزاً» للانطلاق خصوصاً أن القائمين عليه هما: دار الساقي والروائية نجوى بركات. وتقول لـ «الحياة» عن تجربتها: «اكتشفت من خلال الالتزام أن هناك شيئاً يمكن المرء أن يكتسبه، وأن المسألة لا تقتصر على الموهبة. هناك تقنيات ومهارات تكتسبها لأن الرواية كالبناء تحتاج إلى أساسات وأعمدة ثم ترصف الطوابق بعضها فوق بعض في شكل متلازم ومجانس حتى يصنع كلاً متماسكاً». وتوضح الأطرش أن الرواية التي عملت عليها لم تكن هي الفكرة التي كانت في بالها من قبل، بل بنتها كـ «فكرة مشروع» من أجل الاشتراك في المحترف، ثم طورتها لتصبح رواية ترفض كشف عنوانها. لكنها تقول إن عالمها نسائي ولكن ليس بحتاً، فالرواية عن صبية تعمل في محل لبيع مستحضرات التجميل، وهذا عالم قائم بذاته بالنسبة إليها كما أنه عالم ثانٍ في الوقت نفسه. فهي تبحث عن ذاتها الكاملة بينما محيطها يعيش نصف حالات، وهي تريد أن تكمل الحياة المترابطة المتكاملة، ومن خلال هذه العملية تكتشف أموراً عن نفسها وعن الناس.

ولا تختلف رؤية شومان كثيراً، فهو على رغم أن له تجربة سابقة في الكتابة اذ نشر رواية بعنوان «ما رواه النوم»، لكنه يتحدث عما اكتسبه في المحترف في كتابة الرواية أي «الحبكة».

وقال: «الآن لم يعد لدي خوف من أن يسيطر عليّ النص كما كانت حالي قبل أن أمر في المحترف. في البداية كان لدي خوف من أن تؤثر فينا نجوى بأسلوبها، لكنها كانت دقيقة جداً في تعاملها معنا وفي حواراتها حول الفكرة ولم تتدخل كثيراً … الآن أصبح لدينا تجربة يمكننا أن نبني عليها».

ويوضح شومان أن فكرة روايته بقيت هي نفسها قبل مشاركته في المحترف لكن المقترح «كان مختلفاً ووجود نجوى سهّل علينا كثيراً معالجتها بعد نقاشات وحوارات ساهمت في تشذيب الفكرة وازالة شخصيات كان يمكن أن تسيطر على الشخصية الأساسية للرواية».

ويوضح أن روايته تتركز على «شخص يستيقظ كل صباح ولا يذكر ما جرى معه أمس ويشعر بأوجاع، ثم من خلال البدء باكتشاف المحيطين به وما حصل معه، يبدأ الشعور بالتفاصيل المحيطة به وبالأشخاص الذين يظهر مدى تأثيرهم في حياتنا من دون أن نشعر، ونكتشف ذلك حين يغيبون عنا».

                                                                           

نجوى بركات أدخلت الرواية إلى المحترف: جسد وحرب وتدوين وسوريا «أندرغراوند»

الأخبار – عدد السبت ١٠ نيسان ٢٠١٠

تحقيق: سناء الخوري

«نعم، كتابة الرواية تُعلَّم»، تجزم نجوى بركات. الروائيّة اللبنانيّة التي أدارت محترف «كيف تكتب رواية» مع «دار الساقي»، ضمن احتفالية «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب»، تعود بنا إلى جذر السؤال التقليدي الذي يدفعنا عموماً إلى التشكيك في إمكان نقل حرفة الكتابة. تقول «في مجتمعنا العربي، الكتابة مرتبطة بالكتاب وبالوحي. لذا، نحيط اللغة والنصّ بهالة من القدسيّة».

صاحبة «باص الأوادم» التي خاضت تجربة إدارة المحترفات الإبداعيّة في الخارج، كانت مهووسة لسنوات بفكرة تنفيذ محترف إبداعي عربي، وجاءت «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب» فرصةً لتحقق مشروعها. المحترف كان بابا لهم يؤرّق بركات: «هناك نقص حقيقي في نقل الخبرات من جيل عربي إلى آخر». خاضت بركات التجربة مع رشا الأطرش، ورنا نجار وهلال شومان من لبنان، ورشا عباس من سوريا. بدأ كلّ شيء في ربيع 2009، حين جاءت الأديبة اللبنانيّة بفكرة إقامة محترف للكتابة يحتضن بعض الأقلام الشابة وتبنّت «دار الساقي» الفكرة، على أن تتولّى نشر الرواية الفائزة في نهاية المطاف. وتهافتت مشاريع الروايات من لبنان والعالم العربي ما إن أعلن عن المحترف. قبل الورشة الأولى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان خيار لجنة التحكيم، المؤلفة من نجوى بركات و«دار الساقي» وممثل عن «بيروت عاصمة …»، قد رسا على ستّة مشاريع.

ثمّ انطلقت مغامرة «تشييد العمارة الروائيّة»، كما يحلو لبركات وصفها: «حاولتُ أن أنقل المشاركين من منطقة الفكرة والأيديولوجيا، إلى فعل الكتابة الحقيقي. حاولت مساعدتهم ليجدوا صوتهم». صاحبة «لغة السرّ» التي تعمل الآن على تعريب «مفكرة» ألبير كامو بأجزائها الثلاثة، ستعلن عن الفائز في محترف «كيف تكتب رواية»، عند السادسة من مساء 14 نيسان (أبريل) الجاري خلال حفلة، يليها توقيع العمل المتوّج.

نقل المشاركين من طور الفكرة إلى فعل الكتابة

بغضّ النظر عن فكرة المباراة، ستكون حصيلة المحترف أنّه أتاح للجمهور فرصة لاكتشاف طاقات روائيّة جديدة، بعدما ندر وجود الأعمال السرديّة الشابة على رفوف المكتبات اللبنانيّة. «من غير الطبيعي أن يكون الروائيّون الشباب في بيروت معدودين على الأصابع »، كما يقول هلال شومان. الشاب القادم إلى محترف الرواية من فضاءات التدوين والهندسة والصحافة المكتوبة، يكتب قصّة هيثم: بين الحمرا والسوديكو والجامعة الأميركيّة ونيويورك، نتابع يوميات شاب عشريني يستيقظ ذات يوم مع آلام تمتدّ على كامل جسده. الجسد يحتلّ مساحة كبيرة في رواية رشا الأطرش. بطلتها غادة، عاملة في متجر لبيع مستحضرات التجميل، تحاول تركيب حياتها بعيداً عن مسالك أمها وخالتها وأختها. الصحافيّة الشابّة في جريدة «السفير» تنجز هنا مشروعاً شخصياً، لا من حيث المواضيع والشخصيات، بل كفعل فردي بامتياز. «لا أحبّذ التعامل مع العمل الروائي بما سيضيفه إلى المشهد العام، بل كحالة قائمة بذاتها»، تقول الأطرش.

من جهتها، بقي على رنا نجار أن تكتب المشهد النهائي من رحلة ريم وجاد إلى مخيّم كشفي. أحداث الرواية غير الناجزة التي توقّعها الصحافيّة في جريدة «الحياة» تدور في بيروت الطالعة من الحرب الأهليّة أوائل التسعينيات. بلغة طفوليّة، تحكي نجار التناقضات السياسيّة والاجتماعيّة في لحظة مفصليّة من تاريخنا المعاصر. أما رشا عباس، فقد انسحبت من السباق قبل إنجاز روايتها «تكنو» التي تدور حول عالم الأندرغراوند في سوريا، بين «التاتو» و«الحشيش». «انسحابي خيار ذاتي جداً – تقول الكاتبة السوريّة الشابّة – فضلت أن أنجز باكورتي وحدي، بعيداً عن صيغة المحترف والمحرِّر». إحدى الروايات الثلاث الباقية إذاً، ستبلغ الشوط النهائي. صاحبة الحظّ السعيد يعلن عنها يوم الأربعاء، وتكون في اليوم التالي على رفوف المكتبات، تحت لواء واحدة من أنشط دور النشر العربيّة. تفكّر «دار الساقي» «في تحويل التجربة إلى تقليد ثابت، يهدف إلى اكتشاف الروائيين الشباب»، بحسب مديرة التحرير رانيا المعلّم. أمّا نجوى بركات فترى أنّ فضلها على الورشة كان في دفع المشاركين إلى فتح طاقة على أعماقهم: «أن تكتب رواية معناه أن تفتح تلك النافذة في معدتك بحثاً عن أشيائك الدفينة».

                                                                           

بين القاهرة وبيروت‮:‬ ‬ورش الكتابة الإبداعية من الدهشة إلى الرسوخ

أخبار الأدب – الأحد 22 من نوفمبر سنة 2009م – 05 من ذو الحجة سنة 1430هـ – العدد 854

تحقيق: منصورة عز الدين

هل بدأت ورش الكتابة الإبداعية تحظي بالقبول بين الكتاب العرب؟

ما نستطيع أن نؤكده أنها أصبحت شيئا مألوفا إلي حد كبير، وربما يكون عام 2009 هو العام الذي شهد تواجدها بقوة بعيدا عن الأسئلة المندهشة أو المرتابة.

في مصر كانت مكتبة الكتب خان هي العراب الأول لها.. حماس مديرتها كرم يوسف حوَّل المكتبة إلي مركز ثقافي يحتضن نشاطات ثقافية وفنية متنوعة، جاءت ورش الكتابة في القلب منها.

رعت “كتب خان” ورشة للقصة القصيرة أشرف عليها الكاتب ياسر عبد اللطيف نتج عنها كتاب “السابعة ونصف من مساء الأربعاء”، وورشة أخري للكتابة الساخرة تحت إشراف الكاتب عمر طاهر، هذا غير ورشة للنقد يشرف عليها الناقد سيد البحراوي، وورشة للرواية الأولي بإشراف ياسر عبد اللطيف أيضا. الكاتب محمد عبد النبي الذي شارك في ورشة النقد في الكتب خان، أشرف بدوره علي ورشة للكتابة الإبداعية بمكتبة البلد، واعتاد أن يستضيف كل أسبوع كاتبا معروفا ينقل خبرته للمشاركين في الورشة..

في بيروت أيضا بدأت الروائية نجوى بركات بالتعاون مع دار الساقي ورشة بعنوان “كيف تكتب رواية؟”، كما سوف تبدأ الروائية إيمان حميدان يونس – ضمن فعاليات بيروت عاصمة ثقافية للكتاب- ورشة أخري مطلع 2010.

بدأت فكرة مشروع “كيف تكتب رواية” في ذهن بركات منذ أربع سنوات تقريبا، لكنها المرة الأولي التي تتمكّن من تطبيقها مكتملةً وذلك بفضل تبنّيها من قبل دار الساقي ووزارة الثقافة اللبنانية في إطار بيروت عاصمة عالمية للكتاب. تقام الورش خلال عام بأكمله، مع المجموعة نفسها، والمفترض أن تكون النتيجة روايات مكتملة تطبع وتوزّع كأي كتاب. جاءت الفكرة، من شعور صاحبة “باص الأوادم” “بانعدام الصلة بين كتّاب بلغوا مرحلة متقدّمة من التشكّل، وآخرين لا يزالون قيد التشكّل، وبضرورة ابتكار فضاء آخر يرتبط بشكل وثيق بإشكاليات الكتابة وأسئلتها، لا بما هو علي هامشها ممّا يعوقها ويبعدها عن جوهرها. أضيفي إلي ذلك عيائي من المناسبات الأدبية والثقافية التي لا تقيم تواصلا حقيقيا ولا تقدّم جديدا ولا تؤدي إلي نقل أي خبرات.

ثم أنني من الذين يرون الإبداع كفعل حوار وانفتاح وتبادل، ويؤلمني جدا أن معظم الكتّاب العرب قد ابتعدوا اليوم عمّا كان قد شكّل تقليدا لدي جيل الروّاد وعنصرا مؤسّسا لانطلاقة أدبية مهمة في حينه، ألا وهو دور “الرعاية” التي كان يمارسها الأديب الكبير مع الأديب الشاب… أنا لا أدّعي أني “أرعي” المشاركين في محترفاتي، لكنّي أؤدي ربما دور من يناقشهم ويحاورهم في صلب عملية الكتابة الروائية، وهو دور يتوافر ما يقاربه مثلا في معظم دور النشر الأجنبية والعالمية، في حين أنه غائب كلّية عن دور النشر العربية”.

أسألها: ما الآليات التي تتبعينها مع الكتاب المشاركين في الورشة؟

فتجيب: “باختصار أنا أحاول أن أنقل إلي المشاركين شيئا من كيمياء الكتابة متمثلةً بتقنيات سردية ليست من اختراعي، أي بعضا من أصول فن الرواية وأدواته ومشكلاته وحلوله، وذلك بهدف مساعدتهم علي التعبير عن أنفسهم، بأدواتهم الخاصة، وتأمين بعض ما يحتاجون إليه لكتابة ما يريدونه هم، بأفضل الشروط. أنا لا أعطي محاضرات نظرية أو دروسا جامعية، بل أعمل علي مادة حيّة، عملية، هي مشروع روائي يقدّمه المشارك وأرافقه في كتابته من الدرجة صفر وحتي اكتماله. دوري هو قتل الرقيب القابع في داخل كلّ منّا، وهو نفض الغبار وكسر السائد علي مستوي اللغة والأسلوب، وهو تحفيز المخيّلة، والمواكبة واستكشاف الدرب، والتحذير من الفخاخ والطرق المسدودة… أنا أقترح حلولاً وسبلاً لبلوغ هدف يحدده المشاركُ بنفسه، أدواتٍ للعمل، واحتمالاتٍ له أن يستغلّها أو أن يخترع بدائل عنها. فالمهمّ في النهاية، هو أن يدرك المشاركُ بأن الكتابة الروائية ليست عملية عشوائية، وبأنه مطالب بأن يكون “مايسترو” عمله، أي ذاك المدرك والواعي لإمكانيات ما يتوافر له من آلات، ولكيفية تنسيقها وضبطها لكي تصل بمعزوفته إلي أرقي المستويات”.

– لكن ما المواصفات المطلوبة في الكاتب التي تمكنه من الإشراف علي مثل هذه الورش؟ بمعني آخر هل يستطيع كل روائي نقل تجربته للآخرين أم أن الأمر يتطلب مواصفات خاصة؟

– “الرواية كما تعلمين فنّ معقّد ومركّب وهي تتطلّب نفَـسا طويلا وقدرة علي خلق عوالم وشخصيات وأحداث، أي أنها عملية واعية ومدروسة، وقد تكون أصولها شبيهة بأصول الهندسة المعمارية، من دون أن ينفي عنها ذلك جانبَها المفاجئ، أو السحريّ. وهذا ما لا ندركه نحن العرب بشكل عام، بسبب نظرتنا إلي قدسية اللغة وقدسية الكتابة وقدسية النصوص. فتريننا نقصر عملية الكتابة علي هبوط الوحي والإلهام، مبقين إياها في دوائر الخلق العليا. النظرة هذه، وإن كانت صحيحة، تبقي مجتزأة وتبسيطية، إذ أنها تنفي عن الكتابة الروائية جانبها “التقنيّ”، أي ذاك المتصّل بالوعي والجهد والثقافة والبناء والحرفة.

فإذا كان بإمكاننا، ككتّاب، أن نتدخّل في هذا الجانب بالذات، أي إذا كنا قادرين علي معاينة العمل الروائي ككلّ، عبر مختلف جوانبه وزواياه، بغية استكشاف مكامن قوته وضعفه، وإذا كنّا نملك أدوات التدخّل، أي ثقافة روائية معيّنة وقدرة علي التواصل وعلي إيصال الأفكار، أمكننا حينها أن نقيم مثل تلك الورش.

إلا أن ما يخشاه معظم المتحفظين علي الورش، هو “تصدير” أسلوب الكاتب المشرف علي الورشة إلي المشاركين. التحفّظ هذا مشروع، لكنه غير واقعي، إذ يكفي أن نتذكّر كم أن الكتابة هي فعل خصوصيّ وفرديّ وحميم، وكم أنها عملية مغلقة لا ترضخ بيسر لرغبة تفكيكها أو سبر أسرارها، لكي ندرك أن لا أحد يستطيع تعليم طريقته في الكتابة!

“أما إيمان حميدان يونس فعلاقتها بتدريس الكتابة الابداعية تعود لعام 1988 في كلية القديسة تيفاني التابعة لمدرسة يسوع ومريم في لبنان. لم يكن اسم المادة “الكتابة الابداعية” لأن المصطلح جديد الي حد ما في لبنان كما تقول. كان صفها اسمه أدب الأطفال وكتابة القصة القصيرة الموجهة للأطفال. كان علي كل تلميذة كتابة قصصها الخاصة ونشرها في كتيب صغير وكان من مهام يونس كمعلمة متابعة تجارب التلميذات في كتابتهن، تطويرها ومساعدتهن علي قول ما يردن قوله بطريقة أفضل.

عاشت صاحبة “توت بري” تلك التجربة حتي قبل ان تنشر اي من كتبها. ثم بدأت عام 2007 تعليم الكتابة الابداعية في الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من البرنامج العالمي للكتابة الابداعية في جامعة ايوا. حيث تشترك كل عام بتدريس الكتابة الإبداعية لتلاميذ عرب. يتم اختيارهم ضمن برنامج تبادل ثقافي ينظمه البرنامج العالمي للكتابة الابداعية في جامعة ايوا. يتراوح سن التلاميذ المشتركين بين 15 و18 سنة.

“أردت نقل هذه التجربة إلي لبنان وخاصة إلي مناطق الأطراف ذلك أن العاصمة تنعم بمعظم إن لم أقل كل النشاطات الأدبية والثقافية. لذا اسست الراوي وهو مركز ثقافي من أهدافه الأولي اقامة ورش عمل للكتابة الابداعية”. تقول يونس: الورشة الأولي ستقام في قضاء عالية (في جبل لبنان). وستتكرر التجربة في بلدات عدة. أما الشباب المستفيد فهم من تلاميذ المدارس والجامعات الذين يرغبون في الكتابة.

أسألها: هل ثمة أهداف محددة لهذه الورش؟

فترد: “بالطبع المتعة هدف أساسي للكتابة. إلا أن أهداف ورش العمل هذه تصل إلي أماكن أخري أقلها إعادة الاعتبار للقراءة في أمكنة بعيدة عن المركز. أيضا تطوير ملكة التعبير عن الذات وعن رؤيتنا للعالم. التعبير عن كل ذلك بأكثر الوسائل حضارة.

تخيلي أن يكون من ضمن صفي أطفال عاشوا حرب إسرائيل علي لبنان عام 2006 تخيلي ماذا سيكتبون؟ وكيف سيعبرون عن تجربتهم هذه؟ أؤمن أن الكتابة هنا تلعب دورا علاجيا. هي في قلب إعادة الاعتبار للذاكرة ومواجهة للنسيان القسري. هل أجرؤ علي القول إن في بلد كلبنان يعيش حروبا في الداخل والخارج معا، ربما تنقذنا الكتابة الابداعية من حروب مستقبلية”.

بجانب إقامة ورش الكتابة الإبداعية، يهدف مشروع “الرواي” إلي نشر كتب تعليمية حول الكتابة الإبداعية باللغة العربية، استضافة كتاب لبنانيين وغير لبنانيين والسعي الي نشر لكتاب جدد وكتابات جديدة، وانشاء نادي سينما ببرنامج سنوي يرفق العروض بالنقاش ويستضيف عددا من النقاد والخبراء. غير أن الهدف الأساسي لمؤسسة “الراوي” هو: “تجديد الحيوية الثقافية للأطراف. فتمركز النشاطات الثقافية جمهورا ومبدعين في العاصمة وانحسارها عن باقي البلد يؤديان الي حرمان أكثر من نصف اللبنانيين من أقل نشاط ثقافي. أكثر المناطق اللبنانية لا تحظي طوال العام بنقاش جاد أو امسية موسيقية أو فيلم جيد أو امسية ادبية والمرات النادرة التي يحصل فيها ذلك يحظي اي نشاط بحفاوة كبيرة تدل علي تعطش حقيقي”.

***

الكاتب اللبناني هلال شومان مؤلف رواية “ما رواه النوم” الصادرة منذ شهور عن دار ملامح، والمشارك في ورشة “كيف تكتب رواية؟” التي تشرف عليها الروائية نجوي بركات لا ينكر أن شعورا بالهزأ انتابه ما إن فتح رسالة البريد الالكتروني التي حملت إليه دعوة للإشتراك في الورشة. مدعاة السخرية هذه كان عنوان الدعوة: “كيف تكتب رواية؟”. بدا العنوان له غير مفهوم. “هل يمكن “تعليم أصول” كتابة الرواية؟ هل من “أصول” أصلاً؟ هل الأمر عبارة عن خطوات مدروسة ووصفات معلبة تنتقي مقاديرها بإشراف للخروج بالناتج النهائي؟ شيء ما جعلني أنفر في البدء. تكلمت مع أصدقاء، وسمعت الرأيين: رأي يقول بحميمية الكتابة وأن ورشة كهذه ستفرض قيوداً علي هذه الحميمية مسائلاً صلاحيات المشرف أو المنشِّط، ورأي آخر حثني علي الاشتراك من باب التجربة. “شو رح تخسر؟ إذا ما وجدت نفسك في لحظة ما غير مرتاح للعملية بأكملها، إنسحِب!” “.

من بين الأسباب التي دفعت شومان للاشتراك في الورشة رغبته في خوض تجربة إنتاج عمل آخر بعد روايته الأولي. غير أن قرار المشاركة استدعي سؤالاً مفاده: هل الاشتراك في ورشة بعد إصدار كتاب أول _بغض النظر عن تقييم الكتاب- هو خطوة إلي الوراء؟ “بدا السؤال أساسياً، لكن شعور الفضول لم يفارقني منذ تلك اللحظات القليلة التي تلت الابتسامة الساخرة” يقول “اسم المنشِطة (نجوي بركات)، كان كفيلاً ببعث شعور بالارتياح والأمان، تعاظم مع اسم الدار التي تبنت مشروع بركات (دارالساقي). هناك أيضاً الفعالية التي تجري تحتها هذه الورشة “بيروت عاصمة عالمية للكتاب”. لن أكذب. هذه ظروف مؤاتية لإنتاج عمل قد يأخذ حقه أكثر في التوزيع والنشر. هذه ظروف تغري أي كاتب شاب لا يعاني من حساسية مناقشة ما يكتبه وهو في طور الكتابة”.

– هل يوجد تدخل مباشر من المشرفة علي الورشة في النص الذي تكتبه؟

– “كنت أتوقع تدخلاً مباشراً ما. لكن أياً من هذا لم يحصل. تكتفي نجوي برمي الشك. عليك بعدها أن توافق أو لا توافق بعد نقاش التفصيل. الأمر عائد لك. وكنت قد اتخذت قراراً بخوض التجربة إلي مداها. وددتُ أن أجرب شيئاً جديداً بعيداً عن تجربتي اليتيمة الأولي. وددت أن أركز علي الحبكة أكثر بعيداً عن لعبة المزاج العام الممتد في مونولوج الكتاب الأول.

الجلسة الأولي كانت عرضاً لمقترحات المشاركين. تكلم كل منا ما يقرب الساعة عن مقترحه الذي تقدم به. تلخيص المقترح يرمي فوراً إلي تبسيطه وربما تتفيهه. هذه مشكلتي الدائمة مع الملخصات. لكني لخصت وناقشت كما غيري. شيء ما في المناقشة جعلنا نقف علي مسافة بعيدة من مقترحاتنا. علي أعلي المبني، نلحظ التفصيلات المشوِّشة علي مسار القصة أو الثيمة الأساسية للمقترح. أسئلة بعضنا عن مقترحاتنا كانت كفيلة بلفت النظر لبعض التفاصيل، بشدشدة بعضها، وبحذف أخري إن قرر المشترك ذلك. الأمر أشبه بالعمارة. ترمي الأساسات في البدء. تنظمها. تصب فوقها تفصيلاً وآخر. ما يختلف أن عمارتك تتعرض للمراجعة الدائمة وكل مرة منذ البدء”.

يضيف شومان أن المرحلة الأولي تضمنت مناقشة المقترحات وحذف المشوِّشات والكلام علي الشخصيات. في نهايتها، بدأ كل مشارك الكتابة انفرادياً وتلا ذلك جلسات قراءات انفرادية للفصول مع نجوي، لتحديد ما إذا كان ما كتبوه يناسب المزاج العام للثيمة الروائية التي اختارها كل منهم ولا يشوِّش علي قصده الأساسي. “أنا مثلاً كتبت الفصل الأول أكثر من ثلاث مرات. قد أعيد كتابته مجدداً. لا أعرف. البداية مؤرقة وتحتمل الكثير من الضغط. الطريق إن بدأت مزعجة في بدايتها لا تغري الماشي عليها بالتكملة. العودة لسلوك طريق آخر سهل إذا لم يقرأ القارئ كثيراً، لكن إن تخطي المرحلة هذه وجد نفسه تواً متورطاً بتكملة ما بدأ قراءته”.

الامتحان الأول بالنسبة لشومان تمثل في قدرته علي التعرف علي شخصياته. هل يراها فعلاً قبالته تتحرك؟ ماذا تلبس؟ كيف تتكلم؟ ما صفاتها الأساسية؟ المستوي الثاني كان البعد النفسي للشخصيات الذي يختفي تحت الطبقة الأولي للصفات الأساسية؟ كيف يجعل القارئ يلمح هذا المزاج من دون أن يدله عليه بإصبعه؟

هو في النهاية يصف الأمر بالورطة. “أنا الآن متورط بكتاب. أشعر للحظات أنه يُخلَق متفلتاً من بين يدي. هل هذا يعني أن الشخصيات نهضت ومشت الطريق إياه؟ لا أعرف. أعرف أننا كلنا متورطون. أنا وشخصياتي (هل هي شخصياتي حقاً؟)، وربما المنشِّطة نجوي. لا أعرف.

أنا واثق أني أشهد عملية خلق جميلة، يذكرني هذا الشعور والجمال والارتياح بالإحساس الذي انتابني وأنا أحقق كتابي الأول اليتيم. هل أنجح في إتمام هذه التجربة؟ أستطيع أن أقول أني بتٌُ الآن أكثر قدرة علي التشبيع: تشبيع اللحظات والأحداث والشخصيات. أعرف أنه في لحظات يبدو الأمر سهلاً، وفي أحيان أخري أمضي أياماً قبل أن أخط جملة واحدة. الأمر أشبه برواق يحوي أبواباً مفتوحة، وأخري مواربة، وأخيرة مقفلة”.

***

ورشة نجوى بركات تتشابه مع ورشة الرواية الأولي التي أشرف عليها ياسر عبد اللطيف في مكتبة “كتب خان” من حيث إن الهدف هو أن يكتب كل مشارك رواية أثناء الورشة، لكن إلي أي مدي تشابهت آلية العمل، والخبرة التي خرج بها المشاركون؟

الكاتب والمدوِّن محمد ربيع) أحد الكتاب المشاركين في ورشة الكتب خان) يقول إن طريقة العمل في الورشة تمثلت في أن يكتب كل كاتب من المشاركين جزءا من الرواية التي يعمل عليها، ثم يقرأ هذا الجزء في الورشة بحضور زملائه والمشرف. بعد القراءة تتم المناقشة، حيث يعلق ياسر ومعه باقي المشاركين، وهذه التعليقات تكون مجرد اقتراحات. “ياسر كان يعتبر أحد المشاركين معنا في الورشة، مع فارق أنه كان من ينسق المواعيد وجدول العمل، هو أيضا كان أكثر من يناقش ما تتم قراءته، دائما ما يكون له تعليق علي ما يُقرأ”.

حين سألته هل كان هناك كلام نظري في البداية حول تقنيات الكتابة أو كيفية تخليق الشخصية الروائية ورسمها، نفي ربيع ذلك لكنه أشار إلي أنه أثناء النقاش يكون هناك أحيانا ملاحظات مثل أن “دوافع شخصية روائية ما قليلة أو غير واضحة”.

دخل ربيع الورشة باعتبارها تجربة سيكملها لو أعجبه الأمر. لم يكن لديه موقف مسبق من ورش الكتابة الإبداعية، ولم يشعر بأي مشكلة في أن يشترك في إحداها، فقط كان لديه بعض الخوف من ألا يلقي ما يكتبه رضا زملائه.. وعما إذا كانت الورشة قد أضافت له مزيدا من الاحترافية في التعامل مع الكتابة، يقول ربيع: “لا أعرف معني الاحترافية، ما أعرفه أني قبلها كنت أكتب نصوصا قصيرة، لكن الورشة ساعدتني علي الانتهاء من روايتي الأولي وعنوانها “كوكب عنبر”. في البداية كان لدي الفكرة، لكن كان هناك نوع من التعثر في الكتابة، وعرفت بالورشة من أحد الأصدقاء عن طريق الصدفة، فاشتركت بها بعد أن بدأت بثلاثة أسابيع. بدأت روايتي في مارس وأنهيتها في أغسطس، لكنني الآن في مرحلة المراجعة والتنقيح، ومن المقرر أن تنشرها دار النشر التابعة للكتب خان”.

بطبيعة الحال لا يزال هذا التقليد في بدايته في العالم العربي، ومن غير الممكن الحكم علي نتائجه قبل متابعة نتاجات من شاركوا في هذه الورش بدرجة أكبر، غير أن المكسب الحقيقي _ حتي الآن- هو أنه أصبح هناك نوع من القبول لفكرة الورشة الإبداعية، والاعتراف بأن الكتابة – إلي جانب الموهبة- تتطلب نوعا من الدأب والاحترافية.

                                                                           

“البناء”: نجوى بركات في ورشة بيروت الجميلة

البناء – السبت 15 أيلول 2009 – العدد 106

                                                                           

“كيف تكتب رواية”: ورشة كتابة لنقل الخبرات 

أ ف ب – باريس

توجهت الروائية اللبنانية المقيمة في باريس نجوى بركات الى بيروت لمتابعة العمل على ورشة “كيف تكتب رواية؟” التي اقترحتها وتشرف عليها وتنظم بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية ومع “دار الساقي” ضمن فعاليات “بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009”.

وجاءت فكرة اقامة هذه الورشة من رغبة الروائية بنقل تجربة ورش الكتابة المنتشرة في الغرب منذ فترة طويلة الى البلدان العربية.

واوضحت بركات لوكالة فرانس برس قبل توجهها الى بيروت “تنبع هذه الرغبة من اقتناعي بغياب حلقة الوصل بين كتاب بلغوا مرحلة متقدمة من التشكل وبين الجيل الشاب ومن المهم والمفيد بالنسبة لي التأسيس لحوار مفقود بين الاجيال وهو ما افتقدته انا شخصيا حين بدأت اكتب في سن مبكرة نسبيا”.

وشددت على ان “موضوع نقل الخبرات هذا ضروري ونابع ايضا من وعيي بالغياب التام لمن يؤدي دور الموجه-القارئ (اديتور) في دور النشر وهو ما نجده تلقائيا في دور النشر الاجنبية”. وتعتبر الاديتور “مرآة ضرورية للكاتب والروائي يحاوره في صلب العمل وتركيبته وتفاصيله وهذا غير موجود عندنا”.

وكانت المرحلة الاولى من ورشة الكتابة التي تستمر عاما وتنظم في اربع مراحل بدأت في حزيران/يونيو مع مرشحين تقدموا من عدد من البلدان العربية للمشاركة حاملين افكارا طلب منهم ان تكون “في الدرجة صفر للكتابة” كما تقول المشرفة على الورشة اي في مرحلة اقتراح فكرة لعمل روائي.

واختير في المرحلة الاولى عدد كبير من الاشخاص للمشاركة في الورشة من بين عدد كبير من المتقدمين اما الذين استمروا بعد المرحلة الاولى فهم: رشا الاطرش ورنا نجار وهلا شومان وجورج ابو زيد من لبنان ورشا عباس من سوريا. وكان احمد السلامي من اليمن اختير لكنه واجه مشكلات تتعلق بالتأشيرة حالت دون دخوله لبنان وبالتالي دون مشاركته.

وبناء على الفكرة التي قدمتها نجوى بركات يفترض ان تنتهي الافكار المعروضة بعد الورشة الى روايات مكتملة تعمد “دار الساقي” الى نشر وتوزيع افضلها.

وقالت بركات “انها المرة الاولى التي يتوفر لمشروعي مثل هذا الاكتمال وينفذ كما تصورته اي في ورشة كتابية تدور على مدى عام ومع المجموعة نفسها من الاشخاص لتفضي التجربة برواية تطبع وتوزع”.

وتصر الكاتبة اللبنانية على “امكانية صناعة كاتب في حال توفر الموهبة لديه” بعدما كانت خاضت مثل هذا المشروع قبل اربع سنوات تقريبا “لكن الورشة تبدو في صورتها الراهنة اكثر اكتمالا وتحققا”.

ورأت نجوى بركات ان “عماد الكتابة هو التقنية” و”يمكن ان نصنع كاتبا لكن ليس من لا شيء بالطبع الامر يفترض موهبة معينة تصقل بالتعلم بمعنى التثقف والقراءة والاطلاع والملاحظة والمراقبة والتساؤل والشك”.

اما عن نهجها الخاص في الاشراف على الورشة فتقول: “ما احاول فعله في محترفاتي الروائية هو ان أنقل الى المشاركين شيئا من كيمياء الكتابة متمثلة بتقنيات سردية ليست من اختراعي بل بعضا من اصول فن الكتابة وادواتها ومشكلاتها وحلولها وذلك بهدف مساعدة المشاركين على التعبير عن انفسهم بادواتهم الخاصة”.

وقالت انها عملت مع المشاركين على ان يعالج كل فكرته عبر محاولة التخلي عن الافكار الجاهزة والايديولوجيات دافعة اياهم ب”اتجاه قول الرواية والبحث عن الطرق المفضية اليها وتكوين بنيتها حجرا حجرا”. واضافت “الافكار شيء افتراضي تجريدي انكماشي اما الرواية فهي فن المنفلش والملموس”.

اما عن معايير اختيار الاشخاص فتقول ان “المستوى كان الشرط الاول والاساسي لتلك المشاريع الروائية ومن ثم تأتي قابلية المشاركين للمضي في مشاريعهم الى النهاية”.

وعن استفادتها من تجربتها الشخصية كروائية في ادارة المحترف فقالت ان “الكتابة هي بالدرجة الاولى فعل خصوصي وفردي وحميم مركب ومغلق ومتعدد المستويات وهي لا تبوح باسرارها بسهولة وغالبا ما تفاجئ الكاتب نفسه اذ هناك ما يتم التخطيط له وما تقود اليه الكتابة”.

وحول طريقة عملها مع المشاركين تقول: “اعمل على مادة عملية تتركز على ما يكتبونه او ما يريدون كتابته ويكون ذلك نابعا دائما من ثقافتهم وحساسيتهم ومعيشهم الخاص”.

اما دورها فيتلخص في تحفيز مخيلتهم ومواكبتهم موضحة “اؤدي دور المرآة او المحاور بغية تحذيرهم مما يمكن ان يعترضهم من فخاخ او طرق مسدودة مرتبطة بخيارهم. اقترح عليهم اساليب عمل وسبلا يسلكونها لبلوغ هدف يجدونه بانفسهم”.

وتم في المرحلة الاولى من الورشة ترتيب المشاريع عبر جلسات مطولة فردية وجماعية هدفت لتركيب الهيكلية الاولية والشخصيات وهندسة العمل تمهيدا للمرحلة الثانية.

وتعمل نجوى بركات حاليا على ترجمة نصوص لالبير كامو يتوقع ان تخرج في ثلاثة اجزاء بعنوان “مفكرة 1،2،3” وتجمع كلها تحت عنوان “لعبة الاوراق والنور” وتصدر قريبا عن دار الآداب بالتعاون مع “مشروع كلمة” الاماراتي.

كذلك تحضر بركات لعمل روائي جديد بعنوان “تريبوليس” ويتناول كما يشير عنوانه حياة شخصيات ثلاث تعيش في ثلاث مدن مختلفة.

وصدر لها روايات عدة مثل “المحول” (1986) و”حياة وآلام حمد ابن سيلانة” (1989 (و”باص الاوادم” (1996) و”يا سلام” (1999) و”لغة السر” (2004).

* نُشِرَت التغطية أيضاً في  فرانس 24 وراديو سوا.

                                                                           

نجوى بركات: كتابة الرواية صنعة نتعلمها

صحيفة أوان – 13الاثنين  تموز 2009 – العدد599

بيروت – منى سكرية

لمناسبة بيروت العاصمة العالمية للكتاب، وبالتعاون مع «دار الساقي» للنشر، تشرف الروائية نجوى بركات، على ورشة بدت للوهلة الأولى مستنكرة، ألا وهي تعليم فن كتابة الرواية.. لنجوى بركات عدد من الروايات ومنها: «المحول»، «حياة وآلام احمد بن سيلانة»، «باص الاوادم»، «يا سلام»، و«لغة السر».. بركات المقيمة في باريس، والمتنقلة منها إلى بيروت مراراً في السنة، شرحت لـ«أوان» معنى أن تتعلم أن تكون كاتباً روائياً:

– جديد نجوى بركات لم يكن هذه المرة في الإصدار الروائي، وإنما في الجرأة على خطوة تعليم الآخرين فن كتابة الرواية، هل الرواية فن يمكن تعلمه؟

– كل الناس يسألونني هذا السؤال. لا أوافق على نظرية أن الفن لا يمكن تعلمه. صحيح أن الموهبة تولد مع الإنسان، ولكن صقلها يمكننا تعلمه.

– وهل كل إنسان يمكنه تعلم نوع من الفنون؟

–  طبعا، ولكن لأنني أنا أكتب رواية يمكنني الجلوس إلى شباب لديهم بذرة تطوير مشروع روائي، وأن أواكب عملهم.

مواكبة مشاريع الكتابة

– وهل أنت صاحبة الفكرة؟

– أنا صاحبة الفكرة. وهذا المشروع بدأتُ به منذ ثلاث سنوات في بعض البلدان العربية. لكنه للمرة الاولى هو مشروع مكتمل، بمعنى أننا سنصدر في نهايته ست روايات لستة أشخاص يتدربون في هذه الورشة. سأرافق هؤلاء على مدى عام من خلال أربعة مواعيد رئيسية.

– على أي أساس تم اختيار المشاركين وغالبيتهم من الصحافيين؟

–  على أساس المشاريع التي كتبوها وتقدموا بها للمشاركة. ولكن مايزال المشروع اختبارياً، على رغم من الأفكار الجميلة لديهم. مشروعي هو لمواكبة من لديه مشروع كتابة روائية، وهذا موجود في كل دور النشر الاجنبية، ولكن نحن العرب نفتقده. الجديد هو أنني أتعاطى مع من لديهم بذرة الكتابة الى أن ينتهي المشروع معهم.

مشاريع متنوعة .. وخاصة

– الحوار المفتوح بحضورك، هل يخلق غنى بينك وبين المشاركين، أم قد يؤدي إلى سرقة الأفكار؟

– لا أعتقد ذلك، لأن لكل مشارك مشروعه الخاص، وبالتالي فهي مشاريع متنوعة. الذي قد يخلق تبادلاً من هذا العصف الفكري، هو عملية التبادل وطريقة تحويل فكرة إلى حكاية وقصة ورواية، وسرقة الأفكار لا تنفع، لأن من لا يملك النَفَس الروائي لا يمكنه الاستمرار.

– هل قد تشبه ورشتك ما يمكن أن نسميه الإشراف على مناقشة رسالة الماجستير أو الدكتوراة؟

– كلا، أنا لا أُعلمهم نظريات، إنما أنا أنطلق من مشاريعهم هم، ووظيفتي هنا مساعدتهم على بلورة فكرتهم، وإيجاد الشكل الأنسب لقول فكرتهم، وفي طريقة إخراج المشروع ووضعه على الورق. إحساسي أنني أُبادل خبرة، لا ممارسة التعليم. هذا أمر ممتع لدي، ولدي القدرة على نقل خبرتي للآخرين، وأشعر بحماسة تبادل الخبرات مع أجيال شابة، ومع أشخاص من جنسيات مختلفة وأعمار متفاوتة.

العواطف .. والصنعة

– كتابة النص الأدبي ليس كتابة علمية، ولذلك قد تكون نظرتك مختلفة لما يريد هذا المشارك قوله، ولأن إحساسه مختلف، هل تغلبين نصيحتك؟

– كلا. كتابة الرواية، وأكرر هذه المقولة دائما، ليست إحساساً ووحياً، إنها صنعة، وتقنيات سردية وزمن روائي وأسلوب. أنا أناقش في هذه العملية وألفت النظر إلى أن هذه العملية التي غالباً ما تكون لا واعية إلى أن تصبح واعية من خلال الخيارات التقنية التي قد تخدم موضوع صاحب المشروع المشارك. أما عملية الإحساس في الكتابة فلا أتدخل فيها، ولكن الموهبة تصقل. والعواطف لا تكفي لكتابة رواية، وهي معقدة وتحتاج الى حد أدنى من الصنعة، ومن الدراية بأصول الكتابة، ومن التركيب. إنها كالعمارة.

«تريبوليس» .. وثلاثية كامو

– هل تريدين تعميم تجربتك، وتلبية دعوة أي مركز ثقافي في البلدان العربية؟

– طبعا. عندما نشرت اول كتاب كان عمري 24 عاماً، وشعرت يومها بكثير من النقص لعدم وجود من يبدي لي ملاحظاته، شعرت باليُتم يومها، وكان التواصل صعباً بسب الحرب. أهم الحركات الادبية حصلت بسبب الحوار والنقاش، الثقافة في النهاية نقاش وحوار. أساسا الكاتب يعيش في عزلة غريبة، ومن هنا أُريد أن أقوم بهذا الدور، لا لأنني أحب العطاء فقط، وإنما أشعر بالسعادة بعمل كهذا، وأحب أن أستمر بهذه التجربة مع شبان من دول خليجية وغيرها، أو أن أجمع اكبر عدد ممكن من الشباب العربي شريطة وجود تمويل.

– ما جديد نجوى بركات الروائي؟

– أعمل على كتابة رواية تتحدث عن ثلاث شخصيات تعيش في ثلاث مدن وعنوانها «تريبوليس». كما أنني أعمل حاليا على ترجمة ثلاثية البير كامو عن دار الآداب و«كلمة» (مشروع هيئة أبو ظبي الثقافي).

                                                                           

نجوى بركات: الموهبة والوعي يصنعان كاتباً 

الحياة – السبت، 04 يوليو 2009

بيروت – رنا نجار

حول طاولة مستديرة محاطة بعشرات الكتب المتنوعة، جلس المتدربون الخمسة على كتابة الرواية في ورشة عمل تديرها الروائية اللبنانية نجوى بركات، تنظمها دار الساقي في إطار احتفالية «بيروت عاصمة عالمية للكتاب». في مكتبة «السبيل» العامة وسط المدينة، كان اللقاء الأول لكل من الصحافيتين رشا الأطرش (السفير) ورنا نجار (الحياة)، والمهندس الميكانيكي والكاتب في صفحة شباب في جريدة «السفير» هلال شومان، ومعدّة البرامج في تلفزيون «دنيا» السوري رشا عباس، والمخرج المطبعي في جريدة «المستقبل» جورج أبو زيد. وحده الصحافي أحمد السلامي من اليمن لم يتمكن من المجيء من صنعاء إلى بيروت، جراء البيروقراطية البليدة التي تحكم تأشيرات السفر بين البلدان العربية.

لم تبدأ نجوى بركات بوضع خطط أو تلقين أسلوب معين أو شرح نظرية ما حول كتابة الرواية. فمنذ اللحظة الأولى بدأ المشاركون بالحديث، كلٌّ بدوره ولو بتوتر، عن رواياتهم ليدخلوا مباشرة في صلب الموضوع وتحديد الشخصيات وتأكيد الهدف من الرواية. ورويداً رويداً اختفى التوتر، وصار كل منهم يصغي إلى زميله ويُحاول التدقيق بكل ملاحظة تتفوّه بها بركات التي بدت متحمسة ورصينة وكيف لا وهي الروائية الشابة الحاضرة بقوة في المعترك الروائي العربي والتي صنعت مشروعها الخاص عبر رواياتها المتتالية، المتعددة الأجواء والشخصيات والمقاربات الأسلوبية واللغوية.

تختلف أفكار الروايات المشاركة في الورشة والمنتقاة من بين عشرات المشاريع التي تقدّم بها أشخاص من مختلف الدول العربية. لكن هذه الأفكار ما زالت مجرّد أفكار عامة لم تختمر بعد، وقد تتغير شخصياتها وتتبدل محاورها. لذا يصعب التطرق إلى تفاصيلها. ومن المفترض أن يسلّم كل مشترك آخر الأسبوع، نماذج من بداية روايته.

تشرد بركات لبرهة وهي تفكّر في شخصية غادة التي تتمحور حولها رواية رشا الأطرش. تشعر وهي تعطي ملاحظاتها كأنها تسبح في عمق تفاصيل كل رواية على حدة… تتحدث مع كل مشترك كأنه كاتب، ثم تمرّر ملاحظاتها بطريقة غير مباشرة، وتكرّر أهمها بين الفينة والأخرى. «كل واحد منكم عليه أن يدلّني إلى موضوعه… اطرحوا أفكاراً، وأنا أحاول التقاطها لمساعدتكم على تحديدها. أحاول أن أرى ما وراء الأفكار وأساعدكم إذا شعرت أنكم ستنزلقون… ويمكنكم إعطاء العناصر لأحرك وعيَكم عليها أو ألفت نظركم إلى أعماقها، وأساعدكم كي لا يبعد أحد منكم عن موضوعه الأساسي. عندما أعطي عناصر في البداية يجب أن أستخدمها لاحقاً، لأن الرواية مثل الطبخ»، تقول. وتضيف: «لا تُبرّر مشروعك، أريد قصة تقنعني وتسليني وتشدّني لمتابعتها. والقارئ هو مَن عليه أن يكتشف قصدك وملامح شخصياتك وقصتك، أترك للقارئ أن يكتشف ماذا تريد… كي نُخبر شيئاً لا نقوله، نَصِفه ونشرحه ونوضحه. حاولوا ملاحقة الشخصية ومراقبتها، واسردوا الأشياء ثانية بثانية كما يُصوّر الفيلم السينمائي». تخاطب هلال شومان وتنظر إلي قائلة «إذا فكّرت على أي سجادة سأعمل وأي قماش سأستعمل، عندها أكون وضعت إصبعي على الجرح وسلكت الطريق». وعندما يحتدم النقاش، تعود بركات لتؤكد أن الشخصية يجب أن تدخل أعماقكم، أن تكون في مسامات جلدكم. خيط الرواية هو الشخصية أو العالم الذي تنسجون فيه قصتكم. يجب أن تخترعوا عالماً لروايتكم بدءاً من الشوكة والملعقة وانتهاء بالناس والبيوت والشوارع…».

قد ينتقل الحديث من أجواء روايات المشتركين إلى حياتهم الشخصية، أو اهتماماتهم، أو انتقاد روايات الكتاب المكرسين والمشهورين، فيعود الحديث إلى الرقابة والشخصيات والأسلوب. «الرقيب الذاتي أسوأ مئة مرّة من الرقيب الرسمي»، أقول، وتردّ بركات: «وإذا كان الكاتب خائفاً من الرقابة والأمن فلماذا يكتب أصلاً، وإذا لم يكن الكاتب حراً فلماذا يكتب؟».


مشروع يتحقّق

بدأت بركات مشروع «كيف تكتب رواية»؟ منذ أربع سنوات تقريباً. وهي المرة الأولى تتاح لها فرصة إقامته بمثل هذا الاكتمال، أي تماماً مثلما حلمت به وتمنّته أن يكون: «ورش كتابية تدور على مدار عام بأكمله، مع المجموعة نفسها، على أن تأتي النتيجة روايات مكتملة تطبع وتوزّع كأي كتاب». وتشير بركات إلى أن المشروع أصبح ممكناً بفضل تبنّي دار الساقي ووزارة الثقافة اللبنانية له في سياق «بيروت عاصمة عالمية للكتاب». أما عن معايير اختيار المشاريع، فتؤكد أن الشرط الأساسي مستوى المشاريع الروائية نفسها، وقابلية المشاركين على المضيّ في مشروعهم إلى النهاية.

أما سبب إقامة الورشة، فيعود إلى رغبة بركات في نقل تجربة محترفات الكتابة الرائجة في الغرب منذ فترة طويلة إلى البلدان العربية في شكل عام، وذلك «لاقتناعي بغياب حلقة ما تقيم الصلة ما بين كتّاب بلغوا مرحلة متقدّمة من التشكّل، وآخرين لا يزالون قيد التشكّل»، تقول. وترى أن هناك أهمية وفائدة وضرورة لتأسيس حوار مفقود بين الأجيال، وهو «ما افتقدته شخصياً حين بدأت أكتب في سنّ مبكرة نسبياً». وإضافة إلى ذلك، تنتقد بركات مساحات اللقاء في العالم العربي لكونها «محصورة في مناسبات قليلة وخاصة، من نوع المؤتمرات الأدبية والثقافية، وهي في معظمها مجتزأة ومحدودة، لا تقدّم جديداً ولا تؤدي إلى تبادل حقيقي أو إلى نقل أي خبرات».

لكنّ الروائي الناجح هل يستطيع أن يكون أستاذاً ناجحاً؟ «بالطبع لا، تقول، والعكس صحيح أيضاً. لكن اسمحوا لي أن أعترض على عبارة أستاذ، وإن كنت أرى أنها نابعة من تقليد أجلّه وأؤمن بفائدته وبكرمه كفعل، وآسف جداً لاندثاره في أيامنا هذه. ما أفعله في محترفاتي الروائية هو محاولتي أن أنقل إلى المشاركين، شيئاً من كيمياء الكتابة متمثلةً بتقنيات سردية ليست من اختراعي، أي بعضاً من أصول فن الكتابة وأدواته ومشكلاته وحلوله، بغية مساعدة المشاركين على التعبير عن أنفسهم، بأدواتهم الخاصة، وتأمين بعض ما يحتاجون إليه لكتابة ما يريدونه هم، بأفضل الشروط».

ترى بركات أن الكتابة في الدرجة الأولى، فعل خصوصيّ وفرديّ وحميم. ولكن كيف تفصل بين الروائية ومديرة محترف للكتابة كي لا تأتي روايات المتدربين مشابهة لرواياتها؟ تجيب: «لا أخشى «تصدير» أسلوبي الخاص إن كان هذا ما تقصدين، لأنني لا أعلّم طريقتي أنا في الكتابة». وتقول إن ما من أحد أصلاً يستطيع تعليم طريقته في الكتابة، إذ أن عملية الكتابة لا ترضخ بيسر لرغبة تفكيكها وتصنيفها وتحليلها وتبسيطها. إنها كما سبق وقالت «عملية مغلقة، مركبة، متعددة المستويات، وهي لا تبوح بأسرارها بسهولة، لأنها غالباً ما تفاجئ الكاتب نفسه وتأتيه من حيث لا يتوقّع». وتعتبر الكاتبة ذات العينين الحادتين أن «فعل الكتابة أشبه بحرب تستعر بين ما يرسم الكاتبُ وينوي ويخطّط، وما تقرّره الكتابة وتمليه وتفرضه. صراع قوى بين مدّ وجزر، تخطيط وارتجال، هجوم وانسحاب، تقدّم وتراجع».

وعن اعتمادها الطريقة التطبيقية أساساً في ورشاتها، ترى بركات أن «النظرية هي ابنة التطبيق في الأصل، وليس العكس. ولأنني لا أعطي محاضرات أو دروساً جامعية، فالمادة التي أعمل عليها مع المشاركين مادة عملية تتركّز على ما يكتبونه أو ما يريدون كتابته، وهي دائماً نابعة من ثقافـتهم وحساسيتهم ومعيشهم الخاص». وتوضح أن دورها يقوم على تحفيز مخيّلتهم، على مواكبتهم واستكشاف الدرب التي يختارون، على أداء دور المرآة أو المحاوِرة بغية تحذيرهم ممّا يمكن أن يعترضهم من فخاخ وطرق مسدودة ومطبّات هوائية مرتبطة بخيارهم، وعلى تمهيد الطريق وتعبيدها، إزاحة الحصى والعوائق والعقبات واقتراح الحلول. باختصار تقترح بركات على المتدربين أساليب عمل وسبلاً يسلكونها لبلوغ هدف يحددونه بأنفسهم، أدواتٍ للحفر والتنقيب، واحتمالاتٍ لهم أن يستغلّوها، أو أن يخترعوا بدائل منها إن شاءوا.


الموهبة
 والتقنية

قلّة هي المحترفات الكتابية إن لم نقل أنها شبه معدومة في العالم العربي، فهل ستنجح هذه التجربة، وهل بركات متفائلة بالرواية الشابة؟ تجيب: «غالباً ما يطرح عليّ السؤال: هل تمكن «صناعة» كاتب؟ وهو سؤال يفترض أن يكون الردّ عليه بالنفي. الحقيقة إنه يشير، ولو ضمناً، إلى نظرة ترى قدسية في اللغة والكتابة والنصوص. فالكاتب عندنا يربط بين إبداعه وهبوط الوحي عليه منتظراً الكشف والإلهام التي ترفعه إلى دوائر الخلق العليا. ربما كان ذلك صحيحاً. لكنه للأسف، مجتزأ وتحريفيّ وتبسيطي. بل إنه برأيي مضرّ بعملية الكتابة، مسيء إليها ومشوّه لها، لكونه يقصيها عن البُعد الدنيوي الفيزيقي الذي هو من أهم شروطها، أي ذاك المتصل بالمشقة والشكّ والمثابرة والجهد الذهني والجسدي والنفسي. لذا أجدني ميّالة إلى الإجابة: أجل، من الممكن «تعلّم» الكتابة بمعنى التثقّف والقراءة والاطلاع والملاحظة والمراقبة والتساؤل والشكّ، ذلك أنّ عمادَي الكتابة هما الموهبة والتقنية. أجل، يمكننا أن نصنع كاتباً! لكننا بالطبع لا نصنعه من اللاشيء».

                                                                           

“المستقبل”: أولى ورش “كيف تكتب رواية”

الجمعة 2 حزيران 2009

                                                                           

“النهار”: كيف تكتب رواية مع نجوى بركات

الأربعاء 08 نيسان 2009  السنة 76- العدد 23663

“كيف تكتب رواية” مع نجوى بركات


يهدف المشروع إلى العمل مع كتّاب مبتدئين يطمحون إلى تنفيذ مشروع روائي، عبر إدخالهم إلى “مطبخ” الكتابة، وتحفيز مخيّلتهم، وتمكينهم من تقنيات السرد، وتنمية مهاراتهم الخلاّقة.

“كيف تكتب رواية” عبارة عن سلسلة من ورش العمل، تنظّمها “دار الساقي” بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن نشاطات “بيروت عاصمة عالميّة للكتاب 2009″، بناء على اقتراح من الروائية اللبنانية نجوى بركات التي تشرف على إدارة السلسلة وتنشيطها.

يتمّ اختيار المشاركين (خمسة) على أساس ما يقترحون من مشاريع: أي فكرة موجزة عن الرواية (من صفحة إلى خمس صفحات)، تُرفق إذا أمكن، بنصوص متنوّعة مكتوبة سابقاً.

وتلتقي الروائية نجوى بركات المشاركين خلال مواعيد محدّدة تمتدّ علىعام كامل وتنتهي بإتمام المشارِك نصّه الروائي عبر تطبيق ما اكتسبه من مهارات خلال هذه التجربة.

في ختام الورش، تقوم لجنة تحكيم مؤلّفة من نجوى بركات و”دار الساقي” وبعض المختصّين في هذا المجال، باختيار أفضل نصّ روائي، فيتبنّى الناشر نشره وتوزيعه.

للمزيد من المعلومات وإرسال المشاريع:
دار الساقي
الهاتف: 961 1 347442
البريد الإلكتروني:
rania@daralsaqi.com

                                                                           

“الشرق الأوسط”: أقتل الرقيب القابع في داخلك وحلّق

الشرق الأوسط- الاربعـاء 14 ذو القعـدة 1426 هـ – 14 ديسمبر 2005 العدد 

9878

الخرطوم: شذى مصطفى

لعلها المرة الأولى التي نرى فيها أديباً عربياً يبوح بأسراره الإبداعية إلى مبتدئين يريدون أن يمسكوا بطرف الخيط. نجوى بركات اتخذت المبادرة، وبدأت من الخرطوم. هناك اقامت ورشة عمل شارك فيها أولئك الذين يدغدغهم طموح دخول عالم الرواية، الذي يبدو بعيد المنال. الروائية اللبنانية المعروفة، باشرت، من هناك، بمشروعها التعليمي الإبداعي الذي تود أن تجول به العالم العربي، لتثبت أن الإبداع ليس خاصية لأحد، وانه متاح لمن يريد.

ورشات كتابة مكثفة أدارتها في «المركز الثقافي الفرنسي» بالخرطوم الروائية اللبنانية المعروفة، والمقيمة في باريس نجوى بركات، التقت خلالها مجموعة من الصحافيين والكتّاب في أول رحلة لها للعالم العربي، في إطار مشروع متكامل تسعى لأن تستثمر من خلاله خبرتها الأدبية وتجربتها الإعلامية لأكثر من عشرين عاما، في تعليم الآخرين، الخروج من ذواتهم والتحليق في عوالم أخرى.

حضرنا الورشات الخاصة بالصحافيين، حيث اعتمدت الروائية نجوى بركات أسلوبا علميا جديدا يهدف إلى تنمية المهارات، ورفع درجة الشفافية والوعي وتحفيز المخيّلة، وذلك عبر صياغة حوار بناء قائم على منهج عملي لم يتبدّ لنا المقصد منه إلا في نهاية الورشة. فقد دارت اللقاءات التي شاركنا فيها مثلا على ثلاث مراحل: الأولى تركزت على حوار يرمي إلى نفض الغبار وكسر السائد، وكل ما من شأنه أن يكبّل المخيلة، ويشلّ القدرة على التعبير، وهو كثير، بدءا من الخيارات السهلة والمواضيع المجترة والصور الكلامية والتعبيرية المستهلكة…

وهنا انتهت بركات إلى القول «إن الرقيب الذاتي هو في أغلب الأحيان أكثر شراسة وأذية من أي رقيب خارجي آخر، بل انه أكبر مهدّد لحرية التعبير». فالحرية في الكتابة، حق الكاتب وثمرة جهد ومعرفة خاصة ولا يحق للآخرين إجهاضها… في المرحلتين التاليتين للورشة، اختار كل صحافي موضوعا يكتبه على شكل مقالة أو قصة قصيرة. وأخذت الروائية بركات ترافق كل مشترك، خطوة خطوة، في عملية الكتابة، وذلك من خلال مناقشة خياراته لجهة الأسلوب السردي، بناء الفكرة، كيفية عرضها، متطرّقة للمدارس الكتابية والتيارات النقدية على اختلافها، عبر نقاش مشترك يبدي أثناءه الحاضرون آراءهم. ومن ثمة، تدلي بركات بملاحظاتها وتعليقاتها، فتعمل على تفنيد النص وتفكيكه وتحليل مختلف مكوّناته، مع إبراز إيجابياته وانتقاد سلبياته، انتهاءً باقتراح حلول عملية ممكنة، لكن دون أي تدخل بمعنى فرض قسري لأي شيء من قبلها.

والطريف أنه مع انتهاء الورشة التي دارت على ثلاثة أيام، تم تسليم نصوص ومقالات عن تجارب خاصة وعامة اتخذت أحيانا شكل قصص قصيرة وفصول روائية اكتملت فى زمن وجيز. وبدا أن كل صحافي يحمل في داخله روائيا وقاصا ومبدعا، نجحت نجوى بركات في الكشف عنه فخرج إلى النور أو إلى… الورق!

ونسأل نجوى بركات، ما هى توقعاتها لتعميم التجربة في بلدان أخرى؟

تجيب قائلة: «حتى الآن، جاءتني الموافقة من بعض المراكز الثقافية الأجنبية الناشطة في العالم العربي ـ كما جرى حين دعاني المركز الثقافي الفرنسي في الخرطوم اخيرا ـ لكنني أعمل حاليا على تطوير هذه المبادرة من خلال اقتراحها على مؤسسات ثقافية عربية، وكلّي أمل أن تقابَل بحماسة، وتجد تقبّلا ورواجا، خاصة وأني في كل مرة أخوض هذه التجربة، أفاجأ بالصدى الإيجابي والمؤثر لدى المشتركين في الورش من الكتّاب والصحافيين الشباب الذين يظهرون توقا هائلا إلى خوض تجارب إبداعية جديدة، واكتساب أدوات تساعدهم على التعبير عن مخزونهم الإبداعي، وهو ذو ثراء يفوق كل توقع ووصف».

نجوى بركات تعيش في فرنسا، لكنها بفكرها وقلمها موجودة في العالم العربي، درست الإخراج وعملت في الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، أولى رواياتها كتبتها أثناء دراستها في باريس وأرسلتها كمخطوطة مع أصدقاء لها الى بيروت للطباعة، ولذا تعلّق: «من حق المثقف العربي أن يرمي خيبته على السلطة وأغلالها، ولكن عليه في المقابل أن يستمر في تطوير نفسه ومعارفه وأن يعمل على تغيير العالم ولكن بتواضع وتأن وصبر، فإن أضاف حجرا صغيرا الى بناء الإنسانية، فلا بأس به، فقط عليه ألا ييأس أبدا أو أن يلقي سلفا مسؤولية فشله على الآخرين». وتضيف: ان من واجب الإعلامي أو الكاتب أو المثقف أن يقدم التضحيات، فمهمته ليست الراحة أو الاستكانة، كما عليه ألا ينتظر أن يجني الكثير ماديا، بل رسالته هي الارتقاء بنفسه وبالآخرين، كما يجب عليه أن يشكك دائما فى مقدراته ليصقلها، ولا يظن بأنه مركز الكرة الأرضية كما يشعر البعض.

وفى سؤال صحيفة «الشرق الأوسط» لها: هل تلاحظين قصورا ما في المشهد الروائي أو الصحافي، جعلك تقومين بتلك المبادرة من خلال إقامتك في باريس، ومقارنة الإعلام العربي بالغربي؟

تجيب نجوى بركات: «دافعي الرئيسي إلى تطوير مثل تلك المبادرة، هو شعوري بغياب حلقة معينة وظيفتها أن تقيم تفاعلا وتواصلا بين تجربة أدباء محترفين، مشروعهم الإبداعي في طور الاكتمال، وآخرين مبتدئين هم قيد التشكّل، ضمن ما أطلقتِ عليه عبارة المشهد الروائي. فأنا، في بداياتي، تمنيت لو ينقل روائيون سابقون أو متمكنون من أدواتهم السردية، بعض تجاربهم وما اكتسبوه من خبرات، لي ولأمثالي من جيل الشباب، راسمين لنا بذلك ملامح دروب سلكوها، نكملها من بعدهم أو أن نختار دروبا أخرى».

وترى نجوى بركات ان القصص تجذب الكبير والصغير على حد سواء، بل ويمكن للكتابة الصحافية ان تأتي على شكل سردي مشوّق يمس الجانب الإنساني للصحافي والقارىء، وتضيف بركات «ان الخيال ملكة كل إنسان»،

وعن المؤتمرات الثقافية العربية تقول نجوى بركات «لقد تحوّلت إلى ما يشبه الحفلات العامة حيث يجري تبادل الدعوات»، وتضيف «إن الورش هى الطرق المفيدة والعملية جدا في نقل الخبرات، وتوصيلها الى العاملين فى المجالات الإعلامية والثقافية».

لنجوى بركات خمس روايات صادرة عن «دار الآداب» في بيروت هي: «لغة السر»، «باص الأوادم»، «يا سلام»، «حياة وآلام حمد ابن سيلانة» و«المحوّل»، ولها رواية باللغة الفرنسية صدرت في باريس بعنوان «مستأجرة شارع البودوفير».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s