محترف “كيف تكتب رواية” يلد “صابون”

موقع ناو ليبانون – شادي علاء الدين


محترف “كيف تكتب رواية” هو تجربة فريدة ومميزة رعتها وزارة الثقافة في إطار احتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب. تجربة المحترف جاءت لتؤكد أن الكتابة – الروائية منها خاصة – هي حرفة لها قواعدها وأصولها؛ يمكن لتعلمها ودراستها أن يفضيا  إلى عملية إنتاج عمل روائي قابل للحياة.

نجوى بركات التي كانت وراء إطلاق مشروع المحترف هي روائية لبنانية (لها في المكتبات خمس روايات: “المحول”، “باص الأوادم”، “لغة السر”، “آلام حمد بن سيلانة”، و”يا سلام”). وقد حازت العام 1997 جائزة أفضل إبداع أدبي من المنتدى الثقافي اللبناني، كما حصلت العام 2003 على منحة كتابية من مؤسسة “شلوب وايبر سدورف” الألمانية.

في عودة  إلى المحترف، تابعت بركات مجموعة من الكتّاب العرب الشباب الذين قرروا خوض غمار هذه التجربة الكتابية الشيقة والشاقة. علمتهم تقنيات وأصول الكتابة… حتى إذا ما تملّكوا من قواعدها، استطاعوا التعبير عن فكرتهم والعبور  إلى كتابة عمل أدبي يمكنه أن يدرج تحت مسمى “الرواية”.

تلقفت دار الساقي هذه التجربة وتعاونت مع وزارة الثقافة على إطلاقها، كما وعدت بنشر “الرواية” التي ستنتج عن ورشة العمل هذه (وقد تنافست مجموعة من المشتركين على نيل حظوة نشر روايتهم، وهي خطوة أولى مهمة في رحلة حياتهم الأدبية).

نجحت الورشة في “استيلاد” مجموعة من النصوص الجادة. الفوز كان من نصيب كاتبة شابة هي الصحافية رشا الأطرش التي تعمل في القسم السياسي في جريدة “السفير” اللبنانية، حيث نشرت العديد من المقالات التي تمتاز بأن فيها نزعة تحليلية تميل  إلى الغوص في بواطن الأمور.

فازت إذاً الأطرش بالجائزة بعد تنافسها مع مجموعة من المشتركين الذين نجحوا بدورهم في الوصول  إلى المرحلة النهائية والتي انحصرت، إضافة  إلى الأطرش، في مشتركَين هما هلال شومان ورنا نجار.

معيار الفوز لا يتعلق بكون النصوص الأخرى هي غير جيدة (…)، ولكن فقط لأن الأطرش نجحت في إتمام روايتها في فترة الورشة. (ملاحظة: ستعمد دار الساقي لاحقاً  إلى نشر رواية نجار ورواية شومان خلال مدة وجيزة).

غلاف الرواية الفائزة

وهكذا، نشرت دار الساقي الرواية الفائزة والتي حملت عنوان “صابون”. أطلقتها في حفل أقيم في سينما متروبوليس، الأشرفية بحضور الروائية نجوى بركات، وممثلين عن وزارة الثقافة وعن دار الساقي.

كلمات الحفل عديدة، ركز معظمها على جمالية هذه التجربة المميزة التي تسعى  إلى تأسيس وعي أدبي، لا يعود معه أي نتاج أدبي خاضعاً فقط للأهواء والمزاج، ومبنياً حصراً على الوحي والإلهام.

الروائية اللبنانية نجوى بركات

الروائية نجوى بركات تحدثت عن هذا المشروع، فأوضحت معالمه وأهدافه وفصلت نتائجه. تقول : ” لا أريد أن أمدح المشروع كونه مشروعي الخاص، ولكنني مهتمة للغاية بمساعدة الكتّاب الشباب على إنضاج مشاريعهم الروائية الأولى. لقد تعرفت خلال العمل في محترف الرواية على مجموعة من المواهب الشابة، وأعتقد أنه سيكون لها شأن في العالم الأدبي مستقبلاً، وفي الحقيقة فإن الحصيلة الإيجابية للورشة كانت تفوق توقعاتي”.

تقول بركات “عملت على تقاسم لغتي مع آخرين، لأني أرى في الكتابة شيئاً من الحرفة، وإن لم تكن ذلك فقط، وشيئاً من الأصول، وإن كانت تعصى عليها، وشيئاً من الكيمياء، وإن كانت في الأصل خيمياء أقرب  إلى السحر منها  إلى المعادلات والأوزان والحسابات”.

رشا الأطرش الروائية الفائزة تحدثت عن تجربتها في محترف الرواية فقالت “حرصت نجوى بركات على أن تكون دليلاً ومرشداً وموجهاً فقط لا أستاذاً. طلبت منا أن نجتهد في محاولة كتابة روايتنا، وليس الرواية التي يجب أن نكتبها. كانت حريصة أن تكون الشخصيات التي نكتب من خلالها مرئيةً وواضحةً بكل تفاصيلها ومحيطها، وأن نكون قادرين على تلمس شبكة المؤثرات التي ترسم سلوكياتها وتحدد مصائرها، سواء أكانت هذه المؤثرات عاطفية او اجتماعية أوسياسية”. (تابعت): “السؤال الذي كانت تلقي به دوماً على مسامعنا كان هل ترون شخصياتكم”؟

لقد أجبرنا وضوح هذا المنطق على إعادة كتابة الفصول مراراً وتكراراً. كانت ملامح الشخصيات تتوضح أكثر فأكثر مع كل إعادة كتابة. حين صارت الشخصيات مرئية تماماً صارت الكتابة عملية سهلة وسلسة”.

تعالج الأطرش في روايتها علاقتنا بالصورة.

الصابون الذي اتخذته عنواناً لروايتها هو مدخل عالم الإخفاء الذي نمارسه على أنفسنا وعلى جسدنا، وهو يتحالف مع عالم الماكياج والعطور في عملية إلغاء حضورنا الحقيقي وتحويلنا إلى خدم للصورة.

الصابون وسيلة تنظيف، ولكنه في الآن نفسه زلِق وينتج فقاعات عابرة لا تدوم.

تستخدم الأطرش التفاصيل الخاصة بالصابون وتحولها إلى لعبة رمزية شفافة تعنى بالحديث عن عملية التغريب المستمرة التي نمارسها يومياً على أنفسنا لصالح عبادة الصورة من دون أن ننتبه أن الصورة لا تقبل بأقل من غيابنا لكي تكون.

غادة بطلة الرواية “تذكر أنها حضرت ذات مرة في مختبر الكيمياء في المدرسة سائلا برائحة الموز. أعجبتها كثيراً فكرة خلط سوائل لا علاقة لها بالفاكهة. مجرد سوائل بلا لون ذات أسماء مركبة من حروف أجنبية كبيرة تذيلها أرقام صغيرة، والتركيبة تعمل وحدها”.

ضربات خفيفة من أصبعها على الأنبوب الشفاف، فوق لسان اللهب الأزرق، وتنفجر أبخرة الموز، كأن عشرة أقراط تدلت فجأة من سقف المختبر”.

غادة تقيم علاقة مع شخص متزوج. موقعها كامرأة ثانية في حياة رجل يجعلها دائماً في الظل وكأنها غير مرئية. اسمها لا يظهر على لائحة الأسماء المحفوظة أرقامها في ذاكرة هاتفه.

سامر الحبيب المتزوج “كلما أراد الاتصال بها، ضرب الخانات الثماني التي يحفظها غيباً. وكلما تلقى رسالة نصية منها محاها بعد قراءتها مباشرة. غادة أشبه بشخص مخترع، برفيق اللعب الخيالي الذي يبتدعه الأطفال ليسلوا وحدتهم”.

وضعها كمخلوق خيالي، يدفعها  إلى إقامة علاقة مع كائن مصنوع بالكامل من مادة الوهم، هو جاد مخرج الفيديو كليبات الذي يظهر لامعاً وبراقاً على الدوام، حتى إنها تتساءل “ماذا يفعل هذا المخلوق ليكون جميلاً في كل الأوقات؟

يضمر هذا السؤال بعداً أساسياً من أبعاد الرواية، فالشخص اللامع على الدوام لا يمكن أن يكون حقيقياً. فالصور هي دائمة اللمعان وليس الأشخاص. إذاً “جاد” مخرج الفيديو كليبات هو كائن مخترع. هو صورة وليست هي بالنسبة له سوى فقاعة عابرة وسريعة الزوال.

نعثر على غادة في نهاية الرواية في وضعية يكون الصابون فيها “قد بدأ يقشط نفسه تحت قدميها. كانت قد كفت عن الانتظار”.

عادت غادة  إلى الواقع وصارت قادرة على الوقوف على أرض صلبة لأرض الصابون الزلقة.

كفت عن الانتظار. لذا صارت قادرة على امتلاك زمنها الذي لم يعد مرهوناً للوهم وفقاقيعه المبهرجة والعابرة.

تمارس الأطرش عملية مغايرة لمألوف الكتابة الروائية السائدة اليوم والتي يجتهد أصحابها في إخفاء مصادرهم الثقافية، ومحو معالم الأمكنة التي تجري فيها حوادث الرواية… فهي وعلى العكس من ذلك ترمي بمصادرها في وجوهنا مباشرة. الاستنتاج الذي يقود  إلى رواية العطر لـ “زوسكند” ليس خارج الرواية. الأطرش تتحدث مباشرة عن الرواية وتسميها. نعثر كذلك على دلوز وفرنسيس بيكون صراحة.

في الإطار عينه، الأمكنة في الرواية ليست مزيفة ومحجبة بالكنايات، بل هي واضحة ومعروفة ومعرّفة: نحن لسنا إزاء أمكنة افتراضية، بل نحن في “Lina’s”، و”الفرساي”، وشارع الحمراء، والفيرومودا، وباترمنت وزارا، وستار باكس، وفرنكو جيلاتو، وعصيرالألدورادو. هذه الأماكن لا تحضر من خلال تاريخها المرسوم في الذاكرة، بل تحضر في زمن المشاهدة نفسه.

تحتج الرواية بهذه الطريقة على التغييب الذي تمارسه سلطات الماكياج… فالرواية تصرّعلى حضور المصادر والأسماء. تمارس دفاعاً شفافاً عن الحواس، كل الحواس. وعن العين بشكل خاص التي يحاول هول الميديا أن يجعلها لا ترى.

هذا المنشور نشر في المحترف في الصحافة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s