نجوى بركات: أراهن على خلق مؤسسة حرة تتحول إلى تيار ثقافي

جريدة السفير – 1 أيلول/ سبتمبر 2010

عناية جابر

تجربة محترفها تتخطى كتابة الرواية إلى الكتابة المسرحية والسينمائية

بعد الإعلان عن بدء استقبال طلبات الانتساب للدورة الثانية لمحترف كيف تكتب رواية، الذي أسستهُ وتُديره الروائية نجوى بركات، الذي لاقى نجاحاً طيباً في دورته الأولى التي ظهّرت إنجازاً روائياً لافتاً لكتّاب شباب في روايات ثلاث صدرت أولاها عن «دار الساقي» بعنوان: «صابون» لرشا الأطرش، على  أن تصدر روايتا رنا نجار وهلال شومان عن المحترف بالشراكة مع «دار الآداب» في بيروت في خريف 2010، في رغبة بركات توسيع آفاق مشروعها عبر تضمينه، إلى جانب الرواية، خوضين جديدين هما: ورشة الكتابة المسرحية، وورشة الكتابة السينمائية. عن التجربة وجديدها كان هذا الحوار مع بركات:

نرى الى رغبتك في توسيع مشروعك، فمن محترف «كيف تكتب رواية؟»، الذي أرخى نتائج طيبة كشفت عن روائيين واعدين، وروائيات، إلى إعلانك الآن عن دورة ثانية للمحترف، يُعنى، بالإضافة الى الرواية، بالنصوص المسرحية والسينمائية. الى أين هذه المغامرة؟

^ لا بدّ لنا من تأسيس نخبة ما. لا بد للنخبة من أن تكون مرجعاً ولو تكاثر من حولها ما يناقضها ويحفر لها قبراً. ولا بدّ من سقفٍ تقاس به الأمور. وإلا فسنبقى خارج الزمن، نتغذى من الفراغ وننتج للفراغ. حين أحكي هكذا أكون أفكّر في المستقبل، في كتّاب الغد، روائيين ومسرحيين وسينمائيين. ولا بد من أن يجري ذلك على صعيد المنطقة ككل.

عند كل مشروع إبداعيّ جديد، يجد الكاتب نفسه بشكل عام، في مواجهة معضلة إبداعية يكون مجبراُ على حلّها بنفسه وكيفما اتفق، أي بالشكل الذي يراه هو الأنسب. في المقابل، هناك انتشار معارك الفوز بلقب «الأكبر»، أي أكبر شاعر، وأكبر روائي، وأكبر سينمائي، وأكبر… لقد بتنا ثقافة «استعراض»، «show» على الطريقة الأميركية بالمعنى السلبيّ للكلمة، أي ريش وأضواء وجوائز وضجيج إعلاميّ وجماهيريّ ، الخ. والنتيجة؟ خواء على فراغ على قحط.

هكذا ببساطة خطرت لي فكرة محترف «كيف تكتب رواية»، وقد كانت كتابة نصوص مسرحية وسينمائية واردة في ذهني من الأصل. لكني كنت أجده حلماً صعب التحقيق، وهو لم يزل كذلك طالما لم أتمكّن من توفير دعم وتمويل كافيين لتحويله إلى ما يشبه «مؤسسة تعليمية» حرّة ودائمة. حالياً، أنا أخوض مغامرة أراهن وحيدة عليها، فإن نجحتْ في دورة أولى كما جرى هذا العام، وفي دورة ثانية كما أتمنى أن يحصل قريبا، فهذا لا يعني أني كسبت المعركة وأنّ الأمور قد انتظمت بشكل نهائيّ. ترين جيداً أني لست ممن يجيدون الترويج وجمع الأموال. بل إني حتى الآن دفعت من جيبي المثقوبة كي أؤمن شروط الاستمرار بالحدّ الأدنى. لكني حتما ممن يجيدون العمل. لديّ المؤهلات والكفاءة والحماسة. تبقى الأموال. فلعلّها تصل من جهات تقدّمت منها أنا ومن سيتم اختيار مشاريعهم للمشاركة، بطلب مساعدة. سوف نرى.

قلق وتساؤل

كيف تفهمين العلاقة بين الكتابة الروائية وتلك المسرحية والسينمائية؟

^ الرواية والمسرح والسينما أعمال فنية تحتاج إلى ثقافة واسعة، ثقافة إنسانية بالمعنى العميق للكلمة، وثقافة فكرية وفنية أيضا. توجد عناصر كثيرة مشتركة في ما بينها، كتطوير قصة وشخصية وحدث ومكان. أضف إلى ذلك ضرورة احتوائها هي الثلاثة على بنية، إيقاع، حوار، أصوات، وحتى نبرة ما، وهو ما تتقاسمه الرواية والمسرحية والسيناريو. فكتابة مسرحية لا حوار فيها مثلا، أمر يدعو إلى القلق والتساؤل. هذا لا يعني أن المونودراما يجب أن تلغى أو أن تُحتقر، لكنها الاستثناء والتجريب لا القاعدة، ولا يمكن لها أن تكون هي المرجع والقياس. في السينما اللبنانية مثلا، هناك مشكلة العائد. السينما اللبنانية كلها «تعود» من مكان ما, ربما لأن معظمها يصوَّر من قبل مهاجرين عائدين، أو لأننا ربما بالأساس، أصحاب ثقافة «القفشة». السينمات العربية الأخرى قد تشكو من الأدلجة، أو من الجمهور «عايز كدة». يوجد جيل من السينمائيين الشباب يمتلكون لغة بصرية ومعارف تقنية وكل ما يلزم. وربما كانوا أكثر تواضعا لجهة الموضوعات وأحسوا حاجتهم إلى العمل مع آخرين. السينما والمسرح أكثر من تقنيات وإمكانيات، إنها رِؤية إلى الشرط الإنساني عامة، وإلى واقع يتجاوز القشرة والظاهريّ إلى ما هو أكثر عمقا وتشعّباً ودقة. في الرواية والمسرحية والسيناريو، نحن بصدد بناء عوالم وشخصيات بلحم ودم. ما يجوز في الأدب، قد لا يجوز في المسرح أو في السينما. لكنّ اللبّ أو الخلاصة هي نفسها: شخصية في زمان ومكان معينين وفي ظرف معيّن، وثمة ما يحدث لها أو معها أو من حولها (والعكس صحيح). التجريبية والأساليب والمدارس على اختلافها جائزة، إنما القصة كلّها تبدأ من هنا. لذا، ليوجد السيناريو والمسرحية كنصوص، قبل أن يوجدا كأعمال مشهديّة. فربما خلق الأمر رغبةً في احتراف من نوع آخر، احتراف مهنة الكتابة المسرحية والكتابة السينمائية، وهو ما نفتقده وما نحن بأمسّ الحاجة إليه.

هل من أسماء محترفة ومعروفة تنوين التعامل معها، فالمشروع المطروح الآن غدا كبيراً ويحتاج الى معارف شاملة، كما يحتاج الى تمويل. ما المتوفّر من هذه الاحتياجات؟

^ بالطبع، هناك أسماء محترفة ومعروفة أتمنى التعاون معها، لكن لا يمكنني حاليا مطالبتها بالمساهمة مجاناً. وطالما لا يوجد تمويل بالمعنى الرسميّ للكلمة، أسعى وحيدة إلى مواصلة العمل بالمحترفات وإلى الإشراف على التدريب فيها. الحقيقة هي أني أشعر في الوقت الحالي بأننا في حاجة لأن نبدأ كل شيء من جديد. وحتى من الدرجة صفر. يختلط عليّ أنا شخصياً كل شيء في عالمنا العربيّ. أحسّ الأمور متداخلة في بعضها، تائهة وغائمة وكأنها التقليد والمسودة، لا الأصل. شيء أشبه بكبابة صوف محلولة الألوان لا تعرفين رٍأسها من نهايتها. والأمر يصحّ في معظم نتاجنا، في ما عدا استثناءات قليلة طبعاً. حتى الكلمات كأنها باتت تحتاج إلى تعريفها في قاموس جديد. ضوضاء هائلة أو جداريّة عملاقة لا شكل لها يختلط فيها الحابل بالنابل. والأمر سواسية في جميع المجالات دونما استثناء. هذا ما يعذبني ككاتبة، وهو ربما دافعي العميق إلى تأسيس المحترف و«التطاول» على مجالي الكتابة المسرحية والسينمائية إذا صحّ التعبير، رغم أني كما تعرفين، قد درست المسرح والسينما وعملت في المجالين مهنياً ولسنوات. نحتاج إلى بادرة توضيب معمّمة، عملية تنظيف أو تفريغ هائلة، لإعادة الأمور إلى أماكنها وللإمساك بزمام الأمور من جديد. من هنا فكرة التدريب على كتابة نصوص مسرحية وسينمائية، ونشرها بغض النظر عن إنتاجها وإخراجها. تلك مراحل أخرى لها أهلها واختصاصيوها، من مخرجين ومنتجين. أما المحترف، فيبقى حتى إشعار آخر، في مضمار إنتاج النصوص ونشرها.

تراجع وانحدار

هل تتوفّر الكتابات والموضوعات لمثل مشروعك هذا، وهل يُشكلّ العمل الجماعي حلاً، أو بداية على طريق خلق تيار، ومن ثم ثقافة بالمعنى الشامل والجدّي؟

^ تقلقني قلة الموضوعات. كلما رأيت فيلما أو مسرحية، أصاب بحزن عميق. هناك أفلام عربية تنال جوائز في مهرجانات عالمية كمهرجان «كان» على سبيل المثال، لو رأيتها بالتتابع لاكتشفت تراجعها وانحدار مستواها. لماذا؟ لأن ليس كل مخرج هو كوروساوا أو باستر كيتون أو روسيلليني من الضربة الأولى. ربما أن المخرج السينمائي بالذات يتعذّب لتحقيق فيلمه لدرجة تجعله لا يرغب في أن يُنسب نجاحه لأي تعاون مع أيّ كان. أو أنه لا يثق ربما بقدرة آخرين على التعاون معه.. نحن لا نعرف تطوير صوت الفرد في حكاياتنا، في حين أننا ننتج كأفراد. في الأمر تناقض ينعكس على نتاجنا سلباً. أنا أتوجّه إلى جيل الشباب علّه يصبح أكثر إيمانا بالعمل الجماعيّ، لأنه في أساس خلق تيّار والتيّار في أساس خلق ثقافة. أمّا الجماعة، فهي برأيي تكتفي غالباً بالرقم اثنين.

http://assafir.com/Article.aspx?ArticleId=29&EditionId=1634&ChannelId=38206

هذا المنشور نشر في المحترف في الصحافة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s