نجوى بركات من احتراف الحرب إلى.. “محترف الرواية”

 

المستقبل – الاثنين 13 أيلول 2010 – العدد 3769 – لايف

رولا عبدالله

“بهالبلد ما في مستقبل”. فرضية تواجهها الروائية نجوى بركات بالاعلان عن توسيع آفاق محترف “كيف تكتب الرواية”، ليشمل في دورته الثانية، منتصف الخريف المقبل، حقلين جديدين الى جانب الرواية هما: ورشتا الكتابة السينمائية والمسرحية. تنطلق في المشروع، من رغبة ظلت تراودها، بامكان خلق مساحة للحوار بين جيلين لدى كل منهما الكثير الذي لم يقله بعد. وفي كل ما تقوم به، تعويض لأيام سرقتها الحرب الاهلية منها، فاختارت أن تأخذ بيد طاقات بحاجة للاحتضان، هي التي لم تجد في بداية مشوارها الادبي سوى دوي القذائف وبطاقة سفر فرضت عليها اغتراباً مازال ساري المفعول. تشتاق بيروت من مسكنها الفرنسي، فتعن العودة في البال، لكنها خطوة مشوبة بحذر كثير، فالحرب محطة ما زالت متأهبة في الذاكرة. في بيروت، تختار نجوى أحد مقاهي الاشرفية “محطة” للقاء. ترجع ربع قرن الى الوراء أيام كانت “الكزدورة”فعل جنون وقفز بين القنابل والرصاص الطائش. وكان على أبناء جيلها في تلك المرحلة أن يسلّموا حيواتهم للقدر والصدفة وعتمة الملاجئ. اختارت السفر الى فرنسا بعدما صار الخوف سيّد الموقف، وشبح الموت يترصّد المارة بسهامه المسمومة. هناك وجدت عجلة الحياة تدور بوتيرة سريعة، لا تساير ولا تنتظر أحداً. أيقنت حينها أنّ الوقت غير مناسب للبكاء أو الوقوف على أطلال بلد يحترق وعائلة مجهولة المصير. حملت القلم وبدأت الرحلة طالبة في معهد السينما الفرنسي، بالاضافة الى عملها مراسلة، ومعدة، وكاتبة. وفي السنة الثانية على الغربة احتفت بصدور روايتها الأولى”المحوّل”، ومن ثمّ كرّت السبحة لتراكم في سجلّها ست روايات بينها واحدة بالفرنسية وجوائز عالمية. وعلى الرغم من اعتيادها العيش هناك، الا أن عينيها بقيتا مصوبتين على بلدها الأم. ترسم ملامح العودة: بيت العائلة، المقاهي، دور النشر، الحياة الأدبية، المسارح والسينما… كلها أمور مغرية في زمن السلم، لكنها “تروما” الحرب تلسعها مثل جمر تحت الرماد في كل مرة تقصد فيها مكتبا للسفريات. تعدل عن فكرة العودة النهائية، أو تؤجلها، مكتفية بزيارات خاطفة لا تخلو من صور مباغتة تقارب فيها بين مرحلتين: “لبنان خطوط التماس الملتهبة، ولبنان المشرق بأهله وضيوفه”. وما تستغربه أنها كلّما تقصد الداون تاون بكل الصخب والحياة اللذين يملآنه، تباغتها صور المقاتلين والدمار وغبار الأبنية المتناثرة. ترجع تهيؤاتها الى تبعات الحروب التي تجعل اللبناني غير مصدق بأنها ذهبت الى غير رجعة. في المقابل فانها ما زالت قادرة على اختزان الكثير من الأحلام والمشروعات، ولاسيما فكرتها في تأسيس محترف يحتضن المواهب الأدبية علّها تعوّض ما كابده جيلها من غربة وصعوبات. تخبئ نجوى في أجندة الطفولة ذكريات حلوة عن عائلة شغوفة بالزجل والعتابا والشعر المغنّى. كانت تتابع تلك الحلقات بالحماسة نفسها الى المطالعة في مكتبة المدرسة. افتتنت بكتابات طه حسين والعقاد والأدب المترجم الى درجة أن 70 في المئة من مخزونها الثقافي تشكّل ما بين السابعة والرابعة عشرة من عمرها. وكانت المواد العلمية بشقيها النظري والتطبيقي تثير حشرية خيالها الخصب القادر على فبركة عوالم وشخصيات. “كانت بيروت عمبتغلي في السنوات التي سبقت الحرب”، توصّف نجوى مرحلة غنية بهت ثراؤها باندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينات. مضت السنوات على واقع أليم شطر البلد الى مقاطعات وحقول ألغام وحدود خرقتها كلية الفنون التي بدت متنفسها الوحيد. تسجّلت في البدء في خمس كليات لكنّ المسرح حوّل وجهتها الى “الفنون”. وبتنامي الخوف والمظاهر الميليشياوية اتّخذت القرار بمتابعة علومها في الخارج. تتذكّر: “كان من المفترض أن أحصل على منحة بتقلّدي المرتبة الأولى في كلية الفنون، لكن الرئيس أمين الجميّل ألغى المنح في تلك السنة. وعلى الرغم من ذلك أقنعت والديّ بضرورة السفر لمتابعة علومي ريثما تنتهي الحرب”. على أدراج الطائرة حسبت بأنها طوت صفحة بشعة، فاذا بها تأخذ معها أتون الحرب ومرارة الفقدان والحنين الى الشوارع والأحياء. هناك تعرفت الى نمط حياة معقّد فاقمه انهيار الليرة اللبنانية الأمر الذي ألزمها البحث عن عمل لسداد نفقات ايجار المنزل والتعلّم. “باطحت” تقول مثل الجندي في الجبهة، أي حركة غير مدروسة تنال منه أو تقضي عليه. وهكذا أمضت السنة الأولى من دون أن تقدّر حجم التعب النفسي الذي أصابها وأفرغته في رواية “المحول “. كتبت عن حاجة الانسان الى محوّل لاتقائه شر الصدمات تماما مثل حال الأدوات الكهربائية. وفي تلك المرحلة “الانتقالية” بذلت جهداً في اعادة كل طرف من جسدها الى مكانه بعدما خيّل اليها بأنه تناثر ذرّات في الهواء. كان أي صوت مرتفع يخيفها، وفي كثير من الأحيان تضغط زر الكهرباء في غرفتها للتأكد من عدم انقطاع التيار الكهربائي كما هو الحال في بلدها. تقول: “كنت مرهقة بفكرة القتل. أسأل مراراً: كيف يمكن أن يصير الانسان وحشاً بشرياً يرتوي من دماء قتلاه؟ وأي مخرج لحرب قتل الأخ فيها أخاه ونهب الجار جاره؟”. والمشهد نفسه كاد يتكرر في السنوات الأخيرة، فاختارت نجوى أن تكون طرفاً ثالثاً: “وكأن اللبناني لم يتعلّم الدرس بعد من كلفة الحروب الباهظة. أنا ليس في قاموسي تقسيمات من مثل “8 و14″ و”طرف” و”منحازة” و”معارضة” و”موالاة”. هذا لا يعني بأن لا موقف سياسيا لدي، بل على العكس فأنا متابعة ممتازة للأخبار والتحليلات، ولكن أشعر بالخجل حين يقال بأننا شعب ذكي وخلاق ثم يأتي من يبدد ذلك الارث بفعل التعصّب والتخلّف و”الرأس الناشف”. وبدل أن تتناقل وسائل الاعلام الغربية انجازاتنا، يبرز الى الضوء شبح الحرب من جديد”. العودة بمشروعها “المحترف”، والذي تطمح منه أن يصير مؤسسة تعليمية حرة، تسعى في أن يكون مركزه في بيروت، مع انفتاحه على الدول العربية. توضح: “تشغلني الفكرة منذ أربع سنوات، لكنها تحققت هذا العام بفضل الدعم الذي لقيته من المنسقية العامة لبيروت عاصمة عالمية للكتاب ودار الساقي”. وعلى الرغم من نجاح المشروع في دورته الاولى، فانها تبدي أسفاً لعدم حصوله على ميزانية تضمن استمراره: “هناك مشاريع أقل جدية حصلت على ميزانيات خيالية مولتها جهات خارجية في حين أن الميزانية الضئيلة المخصصة للمحترف جعلتني أنفق من جيبي الخاص من أجل صموده في سنته الأولى”. أما امكانية تحوله الى محترف دائم، فيبقى رهن الدعم الذي سيلقاه من جهات تكون حريصة على تطويره وصموده. فهل من سيتبنى الفكرة؟. تتحدى نجوى بالتأكيد: “انتظروا المحترف منتصف هذا الخريف”. خمسة وعشرون عاماً عمر الاغتراب الآخذ في التمدد الى حين قرار. فمتى تكون العودة؟. تقول نجوى: “أهرب من هذا القرار لأنني ما زلت لا أشعر بالأمان. كنت بدأت في العام 2004 قبول فكرة بأن الحرب انتهت، والطرقات آمنة والسيّاح أكثر من مليون، فاذا بالبلد يدخل في نفق مؤلم. بصراحة أخاف أن أعيش الغدر ثانية. عندها تكون الضربة قاضية يصعب تجاوزها. لقد ظلم جيلنا كثيراً ولا أظنه مهيأ لرد صدمات اضافية”.

http://www.lmustaqbal.com/stories.aspx?storyid=429027

هذا المنشور نشر في أخبار المحترف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s