نجوى بركات: لا استنساخ للكتّاب بل تدريب على شخصيات حية

  جريدة القبس – العدد 13671 – تاريخ النشر 20/06/ 2011                              

   

http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=713442&date=20062011

نجوى بركات: لا استنساخ للكتّاب بل تدريب على شخصيات حية

بيروت – فاطمة شقير

الروائية اللبنانية نجوى بركات التي صنعت هذه المغامرة، وهي إنشاء محترف ينظم سلسلة من الورش الإبداعية في مجال الرواية والمسرح والسيناريو، تعتزم نقل محترفها الى الكويت هذا العام.

تنفي أن تكون مهمتها استنساخ الكتّاب او تعليبهم، كما تنفي في حوار أجرته معها القبس، ان تكون الحياة الورشة الإبداعية الحقيقية، والتاريخ يشهد على هذا، لتتحدث عن أعمالها، وتفاجئنا بوصف أبطالها بالقتلة والسفاحين والبلطجية. وهنا الحوار:

• للوهلة الأولى.. إننا أمام روائية تحاول او تنشط لتصنيع روائيين. ألا يعني ذلك تعليب مواهب هؤلاء ليصبحوا بشكل أو آخر صورة طبق الأصل عنك؟ لعلنا نقول اننا أمام عمليات استنساخ بما تعنيه الكلمة؟

_ أنا ككاتبة، لا يمكنني صنع كاتب أو تصوير أسلوبي في الكتابة، وذلك لأن أي إنسان قريب من مجال الإبداع على جميع الأصعدة، يعرف أنها عملية معقدة جدا، ولا يمكن أن تخضع لعملية حسابية كما هي الطريقة الأميركية في تعليم فن الكتابة. فالطريقة الأميركية تعلمك كيف تكتبين رواية بعشر خطوات.

هذا النوع من التدريب يصل لنتيجة ناجحة في حالة واحدة فقط، وهي عندما يكون المتدرب متمتعا بدرجات عالية جدا من الخبرات، الثقافات، والقراءات، بمعنى آخر هو متدرب متخم من المعلومات. أما نحن، فلسنا أمام تلك المرحلة، وبالتالي المتدربون لدينا لن تجدي معهم الطريقة الاميركية نفعا. ولتوضيح المسألة، نستذكر الوعي واللاوعي في العملية الكتابية، فالوعي ضرورية جدا لربط الأفكار والخطوات، كما للسيطرة على اللاوعي، أما اللاوعي فهو الخيال والإبداع، والإبداع في المشي على تخوم الوعي واللاوعي. إذا لا وجود لعملية استنساخ لأننا نتدرب على شخصيات حية لا على قواعد حسابية، فيكون بالتالي باب التخيل والانطلاق أوسع. هي علاقة روحية بين كاتب لديه خبرة والمقدرة على أن يقود كاتبا مبتدئا آخر نحو طريق فن الكتابة.

اختفاء معيار الجودة

• خلال عملك هذا هل نصحت مشاركين بالتوقف عن إضاعة وقتهم؟ وهل تعتمدين فقط على رأيك الشخصي في تقويم اللحظة أو المدى الإبداعي لدى المشاركين؟

_ هدف الورشة هو العمل على كتّاب شباب، ويفترض أن من يتقدم الى ورشتنا هو مشروع كاتب. بمعنى آخر، الانتماء الى ورشتنا يتطلب خطوات معينة، أولها إرسال مشروع عمل كتابي إلينا، على أساسه تتم الموافقة على الانضمام أو لا. فالكتابة اصبحت شيئا مباحا بحيث كل من طرأت على رأسه فكرة، أحب كتابتها كتبها، ذلك لأن معيار الانتشار هو المعيار السائد.

اختفى معيار الجودة وضاعت معه الهيبة من الكتابة، لذا، يحاول المحترف إعادة الأشياء إلى الصفر، ليقول إن الكتّاب الشباب، لديهم طريق طويل للوصول الى مصاف الكتاب الكبار مثل طه حسين، على طريقهم عليه أن يبدأ من الصفر. إذا، معيار التدريب في ورشتنا هو وجود نواة الكاتب، ونحن علينا زرع تلك البذرة في بيئة صالحة لتنتج اعمالاً، ولكن من لا يملك تلك النواة لن يعبر مرحلة التدريب من الاساس، هذا بناء على المشاريع المقدمة كما ذكرت.

نحن خارج الزمن

• كل اولئك الروائيين العظام من تولستوي وهوغو وديكنز ونجيب محفوظ وغيرهم وغيرهم صنعوا انفسهم بأنفسهم، لم يتدربوا في معهد معين ولم يشاركوا في ورشة ابداعية كتلك التي تتحدثين عنها، أليست الحياة، والحياة فقط هي الورشة الابداعية الحقيقية؟

_ لا الحياة ليست الورشة الابداعية الحقيقية والتاريخ يشهد على هذا، مثلا تولستوي هو نتاج كتاب وثقافات سبقته، الفن هو تناقل وتراكم، الحضارات لا تنتج بل تتراكم وتتناقل، فكل عصر وحقبة يتمتعان بعدد مهم من الكتاب العظام، من هنا يظهر هدف ورشتنا، فنحن في العالم العربي للاسف «خارج الزمن» وما يحصل في العالم العربي من ثورات يقول اننا نريد العودة الى الزمن بصفة بشر حقيقيين، مثلنا مثل اي كائن على هذا الكوكب له حقوق حاصل عليها، حق الحرية، حق التعبير، حق الخبر وحق الاستفادة من ثرواتنا.

الورشة الابداعية الحقيقية تكمن في تناقل الاجيال للفن، فنحن نفتقر الى حس المسؤولية، بحيث لا نرى اي كاتب من الجيل القديم اعطى نصائحه لكاتب مبتدئ وشجعه، بل ع‍لى العكس، نحن امام حالة «سلطة ثقافية مكرسة»، الاسماء فيها متكررة ويصعب خرقها، مشروع المحترف هو انشاء سلطة مضادة مؤلفة من الاشخاص الذين لديهم ما يقولونه.

لاحظت خجلاً

• نتصور انك تعاطيت مع حالات عربية مختلفة، هل لاحظت ان ثمة مجتمعات عربية اكثر قابلية للابداع من غيرها؟

_ لاحظت خجلاً في بعض الاماكن اكثر من اماكن اخرى، اي ان بعض الاشخاص من بلدان معينة يأتون الى المحترف بروح ضعيفة، يشعرون بالخجل من اخراج ما لديهم، شاعرين بأنهم اقل مستوى، قيمة، او قدرة على الابداع من سواهم، لكن فعليا يكونون كغيرهم، فنحن نتعامل مع الجميع على مبدأ «انت لست كاتبا، لتثبت انك كاتب..»، بإضافة الى المبدأ الثاني هو «انت تملك الكثير لتقوله لكنك لست مدركا اياه».

وعملنا هو اخراج ما هو في الداخل وتعرية الروح في الكتابة.

الرواية لا تحتضر

• كتاب ونقاد عالميون صرحوا وصرحوا بأن الرواية في حالة احتضار لاننا امام ثقافة «الفاست فود»، هل لديك ميل الى المحاولات اليائسة؟

_ انا لا اوافق الرأي ان الكتابة الروائية في حالة «احتضار» بل على العكس، فالقراء يمليون اولاً للكتابة والرواية، ما يحتضر فعليا هو «الشعر» في العالم العربي تحديداً، قال احد النقاد ان هذا زمن الرواية، مثلا بلد مثل السعودية لم نكن نسمع عن كتبه الا القليل، اما الان فهناك ثورة غريبة في عالم الكتاب الروائيين الشباب، القدرات دائما موجودة داخل الشباب، وفكرة المحترف هي الكشف عن تلك القدرات والطاقات، ونذكر هنا ان اثنين من دور النشر اللبنانية المهمة تعاونتا مع المحترف واصدرت عنهما كتابين وهما: دار الآداب ودار الساقي، وكانت تجربة ناجحة جداً.

شخصيات فاسدة

• تعرفنا عليك في رواياتك، لاحظنا أن أبطالك يتأرجحون بين الحطام والتمرد، هذا رأيي الشخصي، من أين تأتين بشخصيات أعمالك؟

_ أرفض هذا السؤال رفضاً قاطعاً لأن شخصياتي ليست متمردة، بل هي شخصيات تمثل السوء. لقد كتبت حتى الآن 6 روايات، وشخصياتي كلها قاتمة وسوداء إلى حد ما. ابطال رواياتي ليسوا ابطالاً، بل هم فاسدون سلبيون لا يحاولون التغيير، يبتعدون كل البعد عن البطولة وينتمون الى الفوضى، مثلا في رواية «باص الأوادم»، اطرح 12 شخصية كاذبة، بحيث يكذب الجميع على بعضهم محاولين تقديم أنفسهم بشخصيات أخرى، في نهاية الرواية تكتشف كذبهم. في رواية «يا سلام»، تكلمت عن مجتمع ما بعد الحرب وشخصيات عملت كمرتزقة وقت الحرب. منهم القناص والعناس والتي تحاول بشتى الوسائل كسب عريس، إذا، هي شخصيات فوضى تعكس واقعاً ما.

انا اعتبر ان كل روائي صاحب مشروع حقيقي هو صاحب سؤال روائي، أي أن كل الروايات تنطلق من سؤال معين في أعماق الكاتب، أنا مثلاً غالبا ما تكون رواياتي ذات جغرافيا سردية أنا ادعوها «جغرافيا سردية عربية» ذات مواضيع متنوعة. اما بالنسبة لسؤالي الروائي الذي يدور في أعماقي فهو: «كيف يمكن لمجموعة من البشر في ظرف ما ان تنقلك من كائنات بشرية سوية، إلى كائنات أشباه بشر، أقرب للقتلة والسفاحين والبلطجية؟» أي كيف لشخص أن ينقلب في ظرف معين الى شخص أخر؟ ينطلق هذا السؤال من واقع عايشته وعانيته.

انتفاض أمام المرآة

• هل حاولت إحدى هذه الشخصيات أو بعضها الانتفاض في وجهك كما تنتفضين أنت، ربما أمام المرآة؟

_ في روايتي الأولى التي كتبتها وأنا في الخامسة والعشرين من عمري، اسمها «المحول»، أذكر أن وقتها (1986) لم يكن متداولاً اسلوب توحد الكاتب مع الشخصية واستيلاء هذه على قلمه.

شخصية هذه الرواية تحاول كتابة الرواية من خلال وصف سوء حال البلد وصعوبة العيش والتحرر، لكنها تشعر في نصف الرواية بعجز عن استكمال الكتابة، فتنتفض عليها شخصيتها وتقرر الخروج منها لاستكمال الكتابة.

إذا، نعم يمكن لبعض الشخصيات التمرد عليك، اذكر هنا ان علاقة الكاتب بالشخصية هي علاقة متزنة، لا يجدر بالكاتب السيطرة عليها كلياً فيظهر عطل ما، كما ان سيطرة الشخصية على الكاتب تعني فقدان التوازن.

الانفجار الشعبي

• مع هذا الذي يحدث من انفجار شعبي في العديد من الدول العربية ألا تبدو الكتابة الروائية او المسرحية لهاثا لا جدوى منه، لان حركة المجتمعات تسبق الاعمال الادبية بكثير؟

_ هذا تفكير خاطئ وديماغوجي، لان الشباب هم عصب الحياة وهم من يسعون الى سير الحياة بطريقة سليمة وحيوية ومتطورة، اما عل‍ى صعيد الثورات، فالثورات لا تحصل ع‍لى صعيد واحد، وهي ليست شعارات وصراخاً فقط، بل يجب ان تكون مؤسسة لحياة ممتدة الى الافق، ومنغرسة في اعماق الارض، يحصل هذا عندما تنقلب المفاهيم كلها، اي ايجاد طرق تعبير مختلفة، منذ فترة، على صعيد المثال، كان لي اتصال مع رنا ادريس مديرة دار الاداب، عرضنا خلاله مشكلة توقف النشر، وذلك بسبب حالة ارتياب بين الكتاب الشباب ومشكلة الكتابة، فكان جوابي لها ان الحل هو المحترف الكتابي، ذلك لان عالم الكتابة في هذه الأيام يعاني من وجود حلقة مفقودة. بمعنى آخر سيد الحياة يكون سليماً وطبيعياً عندما جيل يسلم جيلاً آخر.

أمشي في تلك الدنيا ببال مطمئن عندما أسلم الأمانة لأولادي (بالمعنى المجازي للكلمة).

ليس طبيعياً تزعم جيل واحد لعرش الكتابة معتبراً نفسه الاساس والأولوية. هذه هي مشكلة جيل اليوم، يكتب بشكل عشوائي، فما من مرشد يقودهم للطريق الصحيح.

——————————————————————————–

جريدة القبس

http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=713442&date=20062011

هذا المنشور نشر في المحترف في الصحافة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s